د.محمد الدكالي
تزامن تقريبا في هذا الشهر عقد مؤتمرين لبرلمانيين من عشرات الدول أولهما في مراكش والثاني في مدينة فالباريزو (شيلي). “ناقش” الأول “حوار الأديان” بينما ناقش الثاني “مكافحة الجوع وسوء التغذية في العالم”. يا لها من مفارقة.
“حوار الأديان” في مراكش من طرف أولئك البرلمانيين يجبر المتتبع على طرح علامات استفهام وريبة كبيرين. لا أعرف أن “حوارا” كهذا كان يوما ما مدرجا في جداول أعمال برلمانات العالم، فكلها، مع استثناءات لا وزن لها في العالم، تعمل في إطار دساتير علمانية، وأحد الأسس الكبرى لكل العلمانيات إبعاد الدين عن السياسة والسياسات وعن البرلمانات والحكومات، إلا من قضايا إجرائية تتعلق بتقنين أدوار المؤسسات والممارسات الدينية في إطار النظم العلمانية. أما أن يتقمص برلمانيون عباءة رجال الدين ويخوضوا في واحدة من أعقد القضايا خروجا بـ”توصيات” و”مشاريع حلول” وهمية ومخادعة لا أحد يعرف طبيعتها القانونية أو الحقوقية، فهذا يعني أن أولئك البرلمانيين قد صاروا بالضرورة علماء دين وفلاسفة.. عظيم.
إذا من الذي بادر ودعا ونظّم ونسّق وموّل مؤتمرا كهذا في المغرب، البلد المسلم العريق؟ لا نعرف!! وزارة الأوقاف ليست مخولة لدعوة برلمانيي المغرب وبلدان أخرى لمناقشة العلاقات بين الأديان. لقد سبق أن عقدت مؤتمرات ولقاءات عديدة طوال العقود الأخيرة بين علماء مسلمين وآخرين من ممثلي الديانتين المسيحية واليهودية حول هذا الموضوع، ولم يطرأ شيء على سياسات التمييز العنصري ضد الإسلام وضد المسلمين في الغرب، بل زادت استفحالا وخطورة عبر نماذج لا تحصى تعكس مشاعر الحقد والتعصب الأعمى، في الإعلام وفي تصريحات قادتهم في علياء مواقع المسؤولية، وعلى الحدود وفي المطارات، وفي المدارس والجامعات وفي المؤسسات والشوارع وفي السينما والتلفزيونات والجرائد والمجلات.. بالمقابل، لم يشهد أحد في العالم مسلما يحرق نسخا من الإنجيل أو التوراة، ولم تحرق كنيسة أو كنيس، ولم يتعرض عندنا مسيحيون أو يهود لاعتداء.. إخوتنا المسيحيون العرب منّا وفينا، حاربوا مع المسلمين ضد الفرنجة، وحاربوا معهم وما زالوا الاستعمار الغربي والصهيوني، كنائسهم وعبادتهم مصانة والعيش اليومي معهم حافل بالود وبالبرّ الأخوي. اليهود في الوطن العربي كانوا جزءا طبيعيا من مجتمعاتنا، حقوقهم محفوظة ومعابدهم وأرواحهم والأموال، إلى أن فضلوا التنكّر لكل هذا ويذهبوا إلى فلسطين للمساهمة في إبادة وتهجير الفلسطينيين واغتصاب مساكنهم وأراضيهم، والقلة القليلة ممن بقي منهم في بلداننا يعيشون في أمن وأمان يحسدهم عليه الآن من تركوا بلدانهم الأصلية واغتروا بالأماني الصهيونية.
الاختراق والاستقطاب
هي استراتيجية واحدة واسعة النطاق بتشكّلات شتى، يسندها طرق إعلامي متواصل، تشتغل عليها مؤسسات في الدراسات والبحوث الاجتماعية متخصصة في الحرب النفسية، تصوغ برامج حقيقية للاختراق والاستقطاب في مجالات حيوية، كالإعلام والفن والثقافة مرورا بالجامعات والمراكز البحثية المحلية والنخب الخادمة، والاشتغال على المؤسسات الدينة بالاختراق الهادئ تدريجيا لكسب أصحابها وإقناعهم بجوهر الاستراتيجية، أن تعالوا للحوار “المنفتح والسلمي” لحل المشاكل “بيننا” لأنه السبيل الوحيد الأنجع، ولنترك مشاعر الكراهية لـ”الآخر” ولنكن سلميين غير عنيفين فهذا يضر ولا ينفع في حل المشكلات.. مزيج من الكذب والتمويه والاستدراج والإغراء بالمكسب المادي. وبالطّرْق يلين الحديد، ومع التّشوّف لمكاسب الإغراء تستسلم النفوس الضعيفة.
ولعل المقابلة التي أجرتها مراسلة موقع “هيسبريس” بتاريخ 15/6/2023 مع رئيس مؤسسة “دينية” معروفة في بلدنا حول المؤتمر المذكور نموذج جيد لحالة الاختراق، فقد اجتهد فيها صاحبها أيما اجتهاد لـ”تأصيل” طروحات استراتيجية الاختراق والاستقطاب، مرددا مرات عدة ضرورة “الحوار” و”السلمية” كأفضل سبيل لحل عد من “المعضلات” المستعصية وعلى رأسها قضية فلسطين، وتعلل بأن كل الأساليب “الأخرى” (كالمقاومة مثلا) لم تنفع في حل القضية وشدد على الإصرار على الحوار “السلمي المنفتح” باعتباره الحل الحقيقي للقضية واستشهد بحالة الصراع الأهلي الذي حدث في إيرلاندا بين الكاثوليك والبروتستانت، أي أن الصراع في فلسطين هو صراع بين فئتين من شعب واحد في وطن أصلي واحد، وأشياء غريبة أخرى. لا يستأهل هذا الموقف المتهافت أية مناقشة جادة، أتذكر فقط حوارا أجرته “الجزيرة” قبل بضع سنوات مع هذه الشخصية في مناسبة ارتكاب “إسرائيل” لإحدى جرائمها المروعة التي لا تنتهي في الضفة أو القطاع، وكان الضيف الآخر هو الأب عطا الله من الطائفة الأرثوذوكسية في فلسطين، وفي الوقت الذي تكلم هذا الأخير عن الطبيعة الوحشية والعنصرية للدولة الصهيونية ومجّد المقاومة الفلسطينية، لم يستطع صاحبنا حتى مجرد النطق بكلمة “إسرائيل” كطرف مجرم معتدي، بله أن يدين الجريمة، وصار يحوم حولها بعبارات تمويهية وبخذلان عجيب، وحاولت معه المذيعة أكثر من مرة لمجرد النطق بكلمة “إسرائيل” فراوغ ولم يستطع أن ينطق بها مما جعل القناة تقطع الاتصال معه في سابقة غير معهودة.
وللاختصار حول ما ورد في حوار “هيسبرس”، أنقل تعليقا بليغا لصديق كتبه لي يوم أمس “مع الأسف.. تزييف في تزييف.. حوار الأديان مقولة سياسية علمانية كانت ولا تزال لتحميل الدّين شرور العالم واتهامه بما جنته السياسات ورجال السياسة.. مشكلة إيرلاندا كان مشكلا سياسيا وكذلك الكثير من بؤر التوتر.. هذه المواقف تخدم معبد الإبراهيمية التي توجه كل حوار بين الأديان نحو دين مشترك يلغي كل تلك الديانات.. متى كانت الصهيونية دينا حتى تدخل في حوار الأديان ومتى كان الحق الفلسطيني لعبة في مجالس مثل هذه؟”.
في الجهة المقابلة من المحيط
اجتمع برلمانيون من 64 دولة في مدينة فالباريزو، ناس عقلاء ويشعرون بالمسؤولية لمناقشة واحدة من أخطر مشكلات البشرية وهي “مكافحة الفقر وسوء التغذية في العالم”، وسيلتهم حث البرلمانات في العالم على تعظيم أدوارها في اجتراح مزيد من التشريعات والسياسات في اتجاه مكافحة الفقر وسوء التغذية *، الجهة الداعية والمنظِّمة والمموّلة لهذا المؤتمر معروفة وهي منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، وكان هذا هو المؤتمر الثاني لهؤلاء العقلاء. أليس بأضدادها تعرف الأشياء؟.
* “سوء التغذية الحاد” (acute malnutrition) مصطلح طبي لحالة الجوع المتواصل لدى الأطفال مما يؤدي إلى تأثيرات خطيرة على الوظائف الحيوية لأجسامهم.





