انتكاسة الفن في مجتمعات لم تقدّره..!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار

 

 

 

عانت بعض الشعوب من تراجع كبير في مجال الفن، وذلك نتيجة لعدم تقدير قيمته في حياة الناس الثقافيّة والحضارية والاجتماعيّة والاقتصاديّة والنفسية؛ بل وصل الأمر إلى حد محاربة بعض الفنون، بما في ذلك الرسم، الذي كان يُمارس عبر النقش على مواد مثل الحجر والخشب والجلود، في ظل غياب الورق.
هذا، وقد تم استدعاء بعض الأحاديث النبوية بشكل متشدد، مثل الحديث الذي يقول: (إنَّ الَّذينَ يصنَعونَ هذِه الصُّوَرَ يُعذَّبونَ يومَ القيامةِ، حيث يقالُ لَهم: أحيوا ما خلقتُمْ). فتم استخدام هذا الحديث كذريعة لمحاربة الفن بجميع أشكاله، دون تمييز.
هذا الوضع انعكس سلبًا على التعليم، حيث تُعتبر حصة “الرسم الحر” في المدارس مادة هامشيّة. فغياب التوجيه يجعل هذه الحصة مجرد نشاط غير مؤثر، مما يعكس نظرة المجتمع الدونيّة للفن.
فكلمة “حر” هنا تعني عدم وجود تأطير أو توجيه من قبل المعلم، مما يترك التلميذ حرًا في التعبير عن خياله دون قيود. ومع أن هذا النهج يمنحه هامشًا كبيراً من الحرية في الإبداع والابتكار، إلا أن غياب التوجيه والتأطير يجعل هذه الحصة مجرد نشاط ثانوي غير ذي قيمة، مما يعكس نظرة المجتمع للفن كشيء غير مهم.
ونتيجة لذلك، أصبحنا نعاني من نقص في المهارات الفنيّة والإبداعية، مما أدى إلى سوء التصميم في الهندسة لمدننا وشوارعنا، وحتى في القرى والبوادي، حيث يغيب الذوق الفني والجمالي، والنتيجة هي نوع من “التخطيط للغباء الجماعي”.
في مسألة طرح فكرة دور الفن كأداة للعلاج والتغيير الاجتماعي، وباستحضار “هوليوود” أمريكا؛ واستحضار العديد من الأعمال السينمائيّة التي لعبت هذا الدور في معالجة القضايا المجتمعيّة، سواء في هوليوود أو في تجارب سينمائيّة أخرى؛ نستحضر التأثير العميق للسينما في تشكيل الوعي الجماعي. لكن حينما نستحضر “هوليوود ورزازات” المغرب؛ نستحضر الفرص الضائعة رغم إمكانياتها السينمائيّة الكبيرة.
لكن ما هي الأسباب العميقة التي منعت ورزازات من تحقيق هذا الدور؟ هل هو نقص في الدعم المالي واللوجستي؟ أم غياب رؤية فنيّة محليّة؟ أم ضعف في الصناعة السينمائيّة الوطنيّة؟ ما هي الأسباب والحلول الممكنة، ليكون هذا القول أكثر إقناعًا وتأثيرًا؟
أمريكا من خلال هوليود وصناعة السينما، استطاعت أن تنسي وتعالج شعبها من عقدة حرب فيتنام؛ في حين نحن مازلنا نتهم فن غناء الطرب الغرناطي إنه السبب وراء سقوط الأندلس..! بل مازلنا عالقين ولم نتجاوز جدليّة: الحلال والحرام في فن الغناء؛ مع أن الفلكلور هو حضارة شعب بواسطته تضمن بقاءها واستمراريتها في الوجود بين الشعوب والأمم.
في المغرب، يُنظر إلى مدينة ورزازات على أنها “هوليوود المغرب”، نظرًا لما تزخر به من مواقع تصوير طبيعية وتاريخية جذبت كبار المخرجين العالميين. ومع ذلك، لم تستطع هذه المدينة أن تؤسس لنفسها صناعة سينمائية محلية قادرة على التأثير في المجتمع المغربي بنفس القوة التي تمتلكها السينما في دول أخرى. وحتى الأفلام العالمية التي صُوِّرت بها، كانت تخدم قضايا مجتمعات أخرى، بينما اكتفى السكان المحليون بأدوار ثانوية (كومبارس)، بدل أن يكونوا جزءًا فاعلًا في الصناعة السينمائية.
لكن لماذا فشلت ورزازات في تحقيق هذا الدور؟
تجمعت عدة عوامل ساهمت في هذا الواقع، نذكر منها:
1. نقص الدعم الحكومي: رغم أهمية السينما في الترويج للثقافة المغربية، فإن الدعم الرسمي لا يرقى إلى مستوى الطموحات. التمويلات تظل محدودة، والإنتاجات المحلية تعاني من قلة الموارد، ما يجعل السينما المغربية غير قادرة على تحقيق قفزة نوعية.
2. غياب رؤية فنية محلية: لا توجد استراتيجية واضحة تجعل من ورزازات قطبًا سينمائيًا مغربيًا متكاملاً. الصناعة السينمائية المحلية تعتمد في الغالب على الإنتاجات الأجنبية، دون استثمار حقيقي في بناء صناعة وطنية قوية.
3. ضعف التكوين في المجال السينمائي: رغم وجود كفاءات مغربية، إلا أن التكوين في المجال السينمائي يظل محدودًا، ما يحرم المغرب من جيل جديد من المخرجين والفنانين القادرين على إنتاج أعمال سينمائية محلية ذات جودة عالية.
4. غياب استثمار القطاع الخاص: لا تزال الاستثمارات السينمائية تعتمد على الإنتاجات الأجنبية، دون أن يكون هناك انخراط فعلي من القطاع الخاص المغربي لدعم الإنتاج المحلي.
لكن ما هو الحل لإطلاق ممكناتك هوليوود ورزازات؟
لجعل ورزازات مركزًا سينمائيًا فاعلًا يخدم القضايا المغربية، أرى أنه ينبغي العمل على عدة أبعاد:
1. إطلاق صندوق لدعم الإنتاجات المحلية، مع توفير منح لصناع الأفلام الشباب.
2. إنشاء معاهد سينمائية متخصصة لتكوين جيل جديد من السينمائيين المغاربة.
3. تشجيع الإنتاجات المحلية عبر تحفيز القطاع الخاص للاستثمار في السينما الوطنية.
4. تعزيز البنية التحتية السينمائية عبر بناء استوديوهات حديثة وتشجيع الإنتاج المشترك مع دول أخرى.
والخلاصة: إذا كانت السينما قد ساهمت في معالجة الأزمات الكبرى لمجتمعات أخرى، فإن المغرب بحاجة إلى استغلال هذا الفن ليس فقط كوسيلة ترفيه، بل كأداة لصياغة وعي مجتمعي جديد قادر على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...