المسيّرات: من أداة مدنيّة إلى تهديد سيادي: قراءة في خلفيّات القرار الوطني القاضي بمنع دخولها المغرب
*الدكتور عبد الله شنفار
هل ما يزال بإمكاننا النظر إلى المسيّرات (Drones) كأدوات مدنية بريئة تُستعمل للتصوير أو توثيق المناظر الطبيعية أو الاحتفالات؟ أم أن التحوّلات الجيوسياسية الجارية في العالم، وخصوصاً الانفجارات الأمنية غير المتوقعة في أكثر من رقعة، دفعت بهذه الوسائل إلى واجهة الصراعات الحديثة؟ سؤال تتفرّع عنه إشكالات أعمق، حين نضعه في سياق السيادة الوطنية، وحدود الأمن الداخلي، ومستوى الوعي الجمعي بخطورة الأدوات التكنولوجية ذات الاستخدام المزدوج.
لقد أحسن المغرب صنعًا حين بادر إلى اتخاذ قرار سيادي بمنع دخول المسيّرات دون ترخيص صارم، بل وتشديد المراقبة على تداولها في السوق الوطنية، رغم ما أثاره ذلك في حينه من انتقادات صادرة عن فئات ترى في القرار تقييدًا للحريات الفردية، أو ضربًا لحق الإبداع والمبادرة الخاصة. لكن، هل كانت تلك الردود تعكس فهماً حقيقيًا لطبيعة المخاطر التي أصبحت المسيّرات تطرحها على صعيد الأمن الوطني؟ أم أن جزءاً منها كان مجرّد “ظواهر صوتية” معزولة، تتحرّك إما عن جهل بالسياقات، أو بحمولة دعائية خفيّة تستثمر في خطاب الحريات من أجل تمرير أجندات اختراق ناعم؟
ما لم تستوعبه تلك الأصوات هو أن العالم يشهد منذ سنوات ثورة صامتة في مجال حروب الجيل الجديد، حيث لم تعد الجيوش النظامية وحدها هي من يملك أدوات القصف أو الاغتيال أو التجسّس، بل باتت أدوات صغيرة، محمولة، ورخيصة؛ مثل المسيّرات تقوم بهذه المهام بكفاءة صادمة.
من إيران إلى أوكرانيا، ومن اليمن إلى غزة، تظهر المُسيّرات اليوم باعتبارها أحد أخطر التهديدات السياديّة، إذ يتم توظيفها:
– في ضربات دقيقة جداً تستهدف البنيات التحتيّة الحيويّة للدول؛
– في عمليات اغتيال لا تترك أثرًا ماديًا مباشراً، وقد لا يتحمّل مسؤوليتها أي طرف؛
– الجاسوس كان يغامر ويخاطر للقيام بالمهمة المكلف بها، وعندما يتمّ ضبطه؛ يُحكم عليه بالإعدام؛ لكن في ظل التطور التكنولوجي الحديث؛ لم تعد هناك حاجة كبيرةً للأشخاص للقيام بهذه المهمّة الوسخة والقذرة والخطيرة جدّاً؛ حيث أصبحت تقوم بها مسيّرات الدرون يتحكم فيها شخص على بعد آلاف الكيلومترات، وراء جهاز حاسوب يرشف فنجان قهوة ويمضغ علكة (الشوينگوم Chewing-gum)؛ يمكنه قتل والتقاط صور وتخريب بدون خوف يتهدده.
– في التجسّس البصري أو الإشعاعي، واستنزاف المعلومات من فوق المنشآت الحساسة؛
– وفي التشويش على الأنظمة الدفاعية أو تفاديها بالارتفاعات المنخفضة والمسارات غير المتوقعة.
فهل يُعقل بعد ذلك، أن تُفتح أجواء المغرب لهذه الآلة، تحت ذريعة السياحة أو التصوير أو الهواية؟ وكيف يمكن التمييز، في زمن التمويه السيبراني، بين المسيّرات المدنيّة وتلك المعدّلة لأغراض إستخباراتيّة؟ بل الأدهى من ذلك، كيف يمكن للدولة أن تُتابع كل ما يرفرف في سمائها، في ظل انفلات الأسواق الإلكترونيّة، وتحوّل بعض المسيّرات إلى أدوات تُباع وتُهرّب كقطع ألعاب أو هدايا؟
إن قرار المغرب بمنع دخول المسيّرات دون ترخيص صارم، ليس قرارًا ضد المواطن، بل قرار لحمايته وحماية وطنه من أعداء يتخفّون في أدوات مدنية، ويحوّلون كل ما هو تكنولوجي إلى وسيلة اقتحام أو تقويض للأمن والاستقرار.
إن هذا المنع لا يجب أن يُقرأ بعيون ضيقة، بل من خلال منظور استراتيجي يضع المغرب في قلب ديناميّة أمنيّة إقليميّة متفجّرة، تحتاج إلى أكثر من اليقظة: تحتاج إلى حزمٍ تشريعيّ وسياديّ يُؤمن بأن الأمن الوطني لا يُقايض بالمجاملات، ولا يترك لضعف الإدراك والوجدان العام.
إننا أمام مرحلة لم تعد فيها السيادة مجرد خطابات أو شعارات سياسيّة، بل معركة يوميّة تُخاض في الجو كما في البر والبحر، وفي التفاصيل الصغيرة كما في كبريات الملفات.
لقد أحسن بلدنا صنعاً عندما منع دخول المُسيّرات لغرض التصوير، ولِأعداء الأوطان فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى.
دام لك المجد والشموخ يا وطني.





