المقدّس في الفضاء العام: مقاربة نقديّة في حدود الرمز واستراتيجيات استفزاز المعايير

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* د. شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

 

ننطلق في تحليل هذا الموضوع من سؤال الواقعة إلى سؤال البنية:
 في المجتمعات التي تتجذّر هويتها في المرجعيّة الإسلاميّة، لا يُختزل تحريم التّجْديف في كونه حُكماً فقهياً أو ممارسة عقديّة، بل يتجاوز ذلك ليشكّل عصباً من أعصاب البنية الرمزيّة الضامنة للتماسك الاجتماعي واستمرارية المخيال الجمعي.
هنا، لا يصبح الأمر مجرد جدل قانوني أو فقهي، بل يدخل في صميم الصراع على تعريف المجال العام وحدوده القيمية.
 وتبرز الإشكالية الجوهرية: كيف يمكن هندسة فضاء عمومي قادر على احتضان النقاش النقدي المفتوح، دون أن يتحوّل ذلك إلى منصة لتقويض مرتكزات الهوية الرمزية؟ وهل يمكن، نظرياً وعملياً، فصل التعبير الفردي عن أفقه الجمعي في بيئات حيث الرموز المقدّسة ليست مجرّد معتقدات شخصية، بل مكوّنات من نسيج الاجتماع نفسه؟
 وهنا يتفرّع سؤال آخر أكثر استفزازاً: هل يمكن للأفعال الرمزية الصادمة أن تعمل كـ”صدمة معرفية” تدفع باتجاه إعادة التفكير، أم أنها محكومة بأن تُستقبل كتهديد مباشر، يعيد إنتاج الانغلاق ويغذّي الاستقطاب؟ وإذا سلّمنا بأن التوازن بين حرية التعبير وحماية المعايير الرمزية ممكن نظرياً، فما الضمانات البنيوية التي تجعله واقعاً مستقراً لا هشاً ينهار مع أول اختبار اجتماعي أو سياسي؟
 مفهوم التجديف: من التصوّر الديني إلى التمثّل الاجتماعي
 يُعرَّف التجديف، وفق المدونة الدينية والأنظمة القانونية في العديد من الدول ذات الأغلبية المسلمة، باعتباره كل قول أو فعل أو إشارة ــ مباشرة كانت أو ضمنية، لفظية أو رمزية ــ تُفهم على أنها ازدراء، استهزاء، أو إنكار للمقدّسات، وعلى رأسها الذات الإلهية، الأنبياء، والكتب السماوية.
 لكن التعريف القانوني أو العقدي، وإن بدا محدداً، يظل غير كافٍ لفهم أثر الظاهرة. فمن منظور سوسيو-أنثروبولوجي، لا يمثّل التجديف مجرد تعبير فردي مثير للجدل، بل يُستقبل في المخيال الجمعي كخرق لعقد رمزي غير مكتوب، يحدد مجال القول المشروع ويرسم الحدود الفاصلة بين النقد البنّاء والعدوان الرمزي.
 الحالة المغربية: من الاختلاف إلى التهديد الوجودي
 في السياق المغربي، يبدو أن تجاوز هذه الحدود لا يُؤوَّل كاختلاف معرفي مشروع، بل يُتمثّل كاستفزاز لهوية الجماعة وتهديد لركيزة من ركائز السلم الاجتماعي الرمزي، الذي يقوم على الاعتراف المتبادل بالمقدّسات باعتبارها خطوطاً حمراء غير قابلة للمساس.
هنا، تتحوّل كل حادثة “تجديف” إلى حدث يعيد اختبار العقد الاجتماعي نفسه، ويستفز آليات الدفاع الرمزي لدى المجتمع.
 جدليّة الحرية والمقدّس: بين الرغبة في الانفتاح والحاجة إلى الصون
 يتموضع النقاش حول حرية التعبير والتجديف ضمن جدلية مشدودة بين طرفين متوترين: من جهة، مطلب توسيع آفاق التعبير والنقاش، ومن جهة أخرى، ضرورة صون الثوابت الرمزية التي تمنح المجتمع تماسكه واستقراره.
إلا أن هذه الجدلية، في عمقها، ليست صراعاً صفرياً بين حرية وفقدانها، بل هي مختبر حيّ لاختبار إمكانيات صياغة “لغة مشتركة” تتيح النقد دون نزع القداسة، وتضمن الحماية الرمزية دون تحويلها إلى أداة لكبت التفكير.
* خلاصة: بين البنية والعرضية؛
 الأفعال التي تُصنَّف كتجديف وازدراء؛ ليست مجرد انزلاقات خطابيّة، بل نقاط توتّر تكثّف صراعاً أعمق حول تعريف حدود الفضاء العام.
إنها لحظات تُجبر المجتمع على إعادة التفاوض حول شروط العيش المشترك، وصياغة معادلة تحفظ المقدّس من جهة، وتبقي نافذة مفتوحة على النقد والحوار من جهة أخرى.
التحدي الأكبر يكمن في تصميم منظومة ثقافية وقانونيّة ترفض الاختيار بين القيمتين، وتصرّ على إمكانيّة الجمع بينهما في صيغة عضوية واحدة، بحيث لا تُختزل حرية التعبير في حق الفرد ولا يتحوّل المقدّس إلى أداة إقصاء، بل يتعايشان ضمن هندسة فكرية تستوعب التعقيد بدل أن تلغيه.

*****

* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ؛
المفكّر والباحث المغربي المتخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، والناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والأنثروبولوجي والاقتصادي والثقافي والبيئي؛ من مواليد 13 يونيو 1970 بفم زكيد إقليم طاطا؛
يُعد من أبرز الأسماء في المشهد الأكاديمي والثقافي بالمغرب.
– محصل على شهادة الإجازة في الحقوق (تخصص الإدارة الداخليّة)
– ومحصل على شهادتين للدراسات العليا:
1. الأولى في علم السياسة
2. والثانية في علم الإدارة.
– محصل على دبلوم الدراسات العليا في العلوم الإداريّة.
– محصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق
* وذلك كله بكليّة الحقوق بجامعة القاضي عياض بمراكش
* له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته:
* الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000).
* الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)،
* والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).
* الصوفيّة وأدوارها في الأمن المجتمعي: من آليات الضبط التقليدي إلى رهانات الاستئناف الروحي في زمن الأزمات (كتاب جماعي (2025)

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...