تحول الطقوس الدينيّة إلى سلع استهلاكيّة: نقد بنيوي للاستيلاء الرأسمالي على المقدس

إيطاليا تلغراف

 

 

 

الدكتور عبد الله شنفار(*)

 

 

– بلاغة الوهم واختراق الرأسماليّة للمنظومة الرمزيّة
  في بنية الوعي المُستلب، تصبح الطقوس الدينيّة لها قابليّةً للاستعمال الأيديولوجي، وتتحول الرموز التعبديّة إلى أدوات بلاغيّة لإنتاج الطاعة والانقياد.
  في هذا السياق العام، يتسلل الوهم باسم الدين، لا عبر الحجاج العقلاني أو البرهان الأخلاقي؛ بل من خلال خطاب يستبطن آليات الهيمنة ويُعيد إنتاج الخضوع والسيطرة، ضمن مشهد لغوي مغلّف بتقنيّات الإقناع العاطفي والتكرار الخطابي المُمنهج.
  إن بعض الخطابات الدينيّة لا تخاطب العقل الفاعل؛ بقدر ما تخاطب وعيًا مُنهكًا، أُفرغ من قدرته على النقد والتفكيك وتمت تعبئته بلغة تُعيد إنتاج الإنقيّاد أكثر مما تفتح المجال للتأمل والتساؤل.
  وبين تكرار مملّ لمعجم الوعظ، وتضخيم مفتعل لرمزية الطاعة العمياء؛ يتم إقناع الجمهور بأن شراء سلعة أو منتوج ما، هو فعل تعبّدي، وأن المنتَج الاستهلاكي قادرٌ على تقوية الإيمان أو تعميق الورع، وكأن القداسة باتت تقاس بقيمة المنتوج ومدى ترويجه.
  الأخطر في الأمر، أن هذا النوع من البلاغة؛ يُعيد تشكيل مفهوم الطاعة في المخيال الجمعي، لا باعتبارها التزامًا حرًا نابعًا من إدراك أخلاقي، بل كاستسلام تلقائي لإرادة المرسل، ولو كانت خاليّة من العمق أو المعنى.
  وهكذا، تصبح العلاقة مع المقدس مجالًا لترويض الوعي، وتُستخدم العاطفة الدينيّة لتكريس أنماط استهلاك تُخفي في جوهرها آليات استلاب وهيمنة.
  من هنا تبرز الإشكاليّة الجوهريّة التي يتناولها هذا المقال في كيف تحوّلت الطقوس التعبديّة من فضاءات روحيّة حافلة بالرمزيّة الأخلاقيّة والروحيّة، إلى واجهات تجارية خاضعة لمنطق السوق. وكيف أمكن للرأسماليّة أن تقتحم القدسيّ، لا فقط عبر التسويق، بل من خلال إعادة إنتاج الطقوس ذاتها كأدوات استهلاك تُفرغها من عمقها وتُعيد تشكيلها ضمن منطق العولمة الرأسماليّة.
– أولًا: السجاد الصيني: الاستعمار التجاري للفضاء التعبدي
  لم تعد الزربيّة أو السجّاد مجرد وسيلة للراحة أثناء الصلاة؛ بل تحولت إلى سلعةٍ تُسوَّق على أنها ضرورة دينيّة، رغم افتقارها للمعايير الصحيّة.
  وهنا يُلاحظ تناقضٌ صارخ: بينما تُزوَّد المساجد بأغطية رسميّة؛ تُباع ملايين الزرابي الصينيّة رديئة الجودة والمصنوعة من مواد تسبب الحساسيّة.
  وهذا ما يدفع إلى التساؤل: كيف تُهيمن المنتجات المستوردة على سوقٍ محلي قادرٍ على إنتاج زرابي تقليديّة عاليّة الجودة؟
  الأكثر إثارة للقلق، هو أن هذا النمط الاستهلاكي يُعزز التبعيّة الاقتصاديّة، بينما يُهمِّش الحرف المحليّة والوطنيّة التي تمثل جزءً من الهويّة الثقافيّة.
– ثانيًا: السبحة البنغاليّة: عولمة الأدوات التعبديّة واستلاب القيمة
  تحمل السبحة البنغاليّة تناقضًا مأساويًا: فهي تُصنع في ظروف عملٍ قاسيّةٍ جداً، حيث يُدفع للعامل دولارٌ واحد مقابل صنع ألف سبحة، بينما تُباع كرمزٍ للتقوى. وفي المقابل، تختفي السبحة المغربيّة المصنوعة من مواد طبيعيّة كعظم الزيتون أو العرعار وعود الأرز، بسبب هيمنة ثقافة الاستهلاك السريع.
  هنا يُطرح سؤال نقدي ضمني: كيف تُحوِّل الرأسماليّة الأدوات الروحيّة إلى وسائل لإعادة إنتاج علاقات الاستغلال، بدلًا من تعزيز القيّم الاجتماعيّة والأخلاقيّة؟
– ثالثًا: العطر والعود الهندي: اغتراب الذوق وتهميش التراث العطري
  في بلدٍ مثل المغرب، الذي يمتلك تراثًا غنيًا في صناعة العطور الطبيعيّة، نلاحظ كيف أصبحت الروائح الكيميائيّة المستوردة تُهيمن على المناسبات الدينيّة.
  هذه الظاهرة لا تعكس فقط اغترابًا عن الذوق الوطني والمحلي، بل أيضًا خطرًا صحيًا بسبب مكوناتها غير المعروفة.
  يُثار هنا بُعد إدراكي آخر، وهو: لماذا يفضل المستهلكون منتجاتٍ معلبة على حساب روائح محليّة أصيلة، رغم وعيهم بآثارها السلبيّة؟ وهل يُمكن تفسير هذا الميل باعتباره نتيجة لفقدان الثقة في الذات الجماعيّة وافتتان لا واعٍ بكل ما هو مستورد؟
– رابعًا: البخور الباكستاني: الطقس كممارسة استهلاكيّة
  تحوّل البخور من أداةٍ لتعزيز الجو الروحي إلى سلعةٍ تُنتج في مصانع لا تراعي السلامة الصحيّة. حيث يُلاحظ أن المغرب، الذي عرف البخور منذ عصر الأندلس، أصبح مستوردًا لمنتجاتٍ قد تكون سامة.
  هذا يطرح إشكالية تفريغ الطقوس من مضامينها لصالح الشكل الخارجي، في مشهد يتراجع فيه المعنى لصالح المظهر، ويُختزل المقدس في رمزيّة تجاريّة بلا جذور روحيّة.
– خامسًا: منبه الإيمان الماليزي: اغتراب الزمن وتفكيك التنظيم المجتمعي
  انتشار الساعات الماليزيّه المزودة بأصوات روحانيّة؛ يُظهر تناقضًا آخر: فبينما تُسوَّق كأدواتٍ لضبط الوقت، فإنها لا تُساهم في حل إشكاليّة الفوضى الزمنيّة في المجتمعات العربية.
  فالمغرب كان رائدًا في صناعة الساعات المائيّة والميكانيكيّة، مما يدفع إلى التأمل في كيفيّة إعادة تشكيل الرأسماليّة لعلاقتنا بالزمن: من مفهوم حضاري مرتبط بالانضباط والمعنى، إلى سلعة تُباع وتُستهلك في سياق استعراضي.
* الخلاصة: نحو استعادة المقدّس من براثن السوق
  إن تحويل الأدوات التعبديّة إلى سلع؛ يُعيد إنتاج التبعيّة الاقتصاديّة والثقافيّة، ويُفقدها دورها في تعزيز القيّم المجتمعيّة. لذلك، تُصبح الحاجة ملحّة لطرح بدائل معرفيّة وثقافيّة قادرة على مقاومة هذا المسار من خلال الأبعاد التّاليّة:
  دعم الحرف المحليّة التقليديّة كمجال لإعادة الاعتبار للتراث.
  نشر الوعي النقدي بمخاطر المنتجات المستوردة، من حيث الصحة والمعنى.
  إعادة تعريف الطقوس كفضاءاتٍ للترابط الاجتماعي والتأمل، لا كمجرد ممارسات استهلاكية.
  لكن، هل يمكن بالفعل مقاومة اختراق الرأسماليّة للمقدس دون الوقوع في فخ الانغلاق الثقافي؟ وكيف يمكن توظيف العولمة في الحفاظ على الهوية دون التضحيّة بالقيّم الروحيّة؟
  تبقى أسئلة مفتوحة، تُحفّزنا على إعادة التفكير في علاقتنا بالرمزي، وبأنماط استهلاكنا، وبالمقدس ذاته، في زمن بات كل شيء فيه قابلًا للشراء.

(*)نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ؛
المفكّر والباحث المغربي المتخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، والناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والأنثروبولوجي والاقتصادي والثقافي والبيئي؛ من مواليد 13 يونيو 1970 بفم زكيد إقليم طاطا؛
يُعد من أبرز الأسماء في المشهد الأكاديمي والثقافي بالمغرب.
– محصل على شهادة الإجازة في الحقوق (تخصص الإدارة الداخليّة)
– ومحصل على شهادتين للدراسات العليا:
1. الأولى في علم السياسة
2. والثانية في علم الإدارة.
– محصل على دبلوم الدراسات العليا في العلوم الإداريّة.
– محصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق
* وذلك كله بكليّة الحقوق بجامعة القاضي عياض بمراكش
* له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته:
* الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000).
* الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)،
* والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).
* الصوفيّة وأدوارها في الأمن المجتمعي: من آليات الضبط التقليدي إلى رهانات الاستئناف الروحي في زمن الأزمات (كتاب جماعي (2025)

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...