الحرب العالميّة الأولى: من شرارة الاغتيال إلى برميل البارود المَوْقُوت – قراءة تحليليّة ونقديّة في الجذور البنيويّة وإسقاطاتها المعاصرة
* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
– حين يتحوّل حدث عابر إلى لحظة كونيّة:
هل يمكن لطلقة واحدة أن تغيّر مسار التاريخ العالمي؟ وهل يُعقل أن يتحوّل اغتيال سياسي في أطراف البلقان إلى حرب شاملة أطاحت بإمبراطوريّات وأعادت تشكيل النظام الدولي برمته؟
هنا تكمن معضلة الفهم: هل كان اغتيال ولي عهد النّمسا (الأرشيدوق فرانز فرديناند) وزوجته في سراييفو سنة 1914 سببًا في حدّ ذاته، أم مجرّد فتيل فوري أشعل برميل بارود موقوتاً كان معدًا سلفاً منذ زمن بعيد؟
هذه المفارقة تفتح الباب أمام تفكير نقدي أعمق: لماذا كان النظام الدولي هشًّا إلى حد أن شرارة محدودة تحوّلت إلى زلزال عالمي مدمر؟ وهل نحن اليوم نعيش حالة مشابهة، حيث الأزمات الإقليميّة قد تتحوّل إلى نزاعات كونيّة في كلّ لحظة؟
درسنا في مادة التّاريخ في سنوات المستوى الإعدادي بالمغرب، أنّ السبب المباشر لاندلاع الحرب العالميّة الأولى كان هو اغتيال ولي عهد الإمبراطورية النمساويه المجرية، (الأرشيدوق فرانز فرديناند) وزوجته (صوفي) في 28 يونيو 1914 بمدينة سراييفو (عاصمة البوسنة والهرسك حينها) على يد الطالب الصربي (غافريلو برينسيب)، الذي كان عضوًا في منظمة سريّة قوميّة صربيّة تُسمّى: “اليد السوداء”.
لكن الاغتيال كان فقط الشرارة، أمّا برميل “البارود” فقد كان جاهزًا منذ زمن بسبب التحالفات والتنافس الإمبريالي والقوميات والسباق العسكري.
لكن الذي لم ندرسه في مادّة التاريخ الذي تعرض للبتر والتدليس والحجب والتمرير والتصرف فيه بالزيادة والنقصان والتوظيف حسب المزاج؛ هو الأسباب غير المباشرة (العميقة) التي مهدت لاندلاع الحرب العالميّة الأولى والتي تعود إلى عوامل تراكمت طوال العقود السابقة للاغتيال.
أولًا: شبكة التحالفات: هل هي أداة للردع أم فخ للتصعيد؟
إلى أي حد تُسهم التحالفات في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، وإلى أي حد تتحوّل إلى شبكة تُقيّد حرية القرار وتُسرّع الانفجار؟
في مطلع القرن العشرين، كانت أوروبا محكومة بثنائية قطبيّة صلبة يحكمها:
- الوفاق الثلاثي (بريطانيا وفرنسا وروسيا).
- التحالف الثلاثي (ألمانيا والنمسا-المجر وإيطاليا).
لقد بدا أن هذه التحالفات تمثل مظلة أمان، لكنها عمليًا حوّلت كل نزاع محلي إلى صراع دولي.
هنا يبرز السؤال: هل التحالفات تشكل ضمانة للاستقرار، أم أنها تصنع “سلسلة توريط” حيث أي خطأ تكتيكي قد يتحوّل إلى مواجهة سياسيّة واقتصاديّة وتجاريّة وعسكريّة كبرى؟
ثانيًا: سباق التسلح: هل يعني تراكم القوة ضمان السلم؟
ننطلق من السؤال المركب: لماذا يصبح بناء الأساطيل والجيوش مشروعًا لخلق الأمن في نظر أصحابه، لكنه في نفس الوقت تهديدًا وجوديًا في نظر خصومهم؟
لقد دخلت ألمانيا وبريطانيا سباقًا محمومًا لبناء أقوى أسطول بحري، بينما زادت باقي القوى من جيوشها وتسليحها. النتيجة المفارقة: كل طرف اعتقد أنه أكثر أمانًا، لكن النظام ككل أصبح أكثر هشاشة.
السؤال الإشكالي هنا: هل نحن اليوم نعيد إنتاج نفس المعادلة عبر سباق الذكاء الاصطناعي العسكري، الصواريخ فرط الصوتيّة، والفضاء المسلّح بالمسيّرات؟ وهل هذا يعزّز الأمن أم يضاعف احتمال وقوع الكارثة؟
ثالثًا: القومية كديناميكية تفجير: من هوية ثقافيّة إلى مشروع سياسي صدامي
هل تُعَدّ القوميّة مشروعًا للتحرر أم وقودًا للصراع؟
لقد مثّلت القوميّة السلافيّة في منطقة البلقان، تحديًا مباشرًا للإمبراطورية النمساوية-المجرية. فصربيا أرادت أن تكون مركز تجميع السلافيين الجنوبيّين، بينما رأت النمسا في ذلك تهديدًا وجوديًا لبنيتها المتعددة القوميّات.
وهكذا تحوّلت الهوية إلى برميل بارود موقوت، وحين جاءت حادثة سراييفو، وُظِّفت القوميّة كسلاح سياسي يبرّر التصعيد.
السؤال هنا: ألسنا اليوم نشهد صيغًا محدثة لهذا التوتر القومي: في أوكرانيا، في تايوان، في الشرق الأوسط؛ حيث تتحوّل الهويات إلى جبهات للصراع بدل أن تكون جسورًا للتعدد؟
رابعًا: التنافس الإمبريالي: كيف يتحوّل “الخارج” إلى مرآة للصراع الداخلي؟
إذا كانت الإمبراطوريات الأوروبيّة في مطلع القرن العشرين قد تنافست على المستعمرات في إفريقيا وآسيا؛ فهل كان هذا التوسع مجرد انعكاس لوفرة القوة، أم محاولة لتعويض ندرة ونقص داخلي في الشرعية والتوازن؟
لقد شعرت ألمانيا بأنها قوة صاعدة مقصيّة عن حصص الاستعمار مقارنة بفرنسا وبريطانيا. هذا الشعور بالغبن لم يكن اقتصاديًا فحسب، بل سياسيًا ونفسيًا، وأدى إلى توتر في العلاقات حتى داخل القارة.
ألا يعكس هذا ما نعيشه اليوم من صراع على النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي وعلى المعادن الثمينة والنفيسة المطلوبة في صناعة السيارات الكهربائية والصواريخ والطائرات الحربيّة وبدون طيار (من “الحزام والطريق” الصيني إلى “حرب الرقائق” الأميركية)؟
وهل يصبح الخارج مرآة لتصفيّة الحسابات الداخليّة بين القوى الكبرى كما كان في مطلع القرن العشرين؟
خامسًا: أزمات منطقة البلقان: هل كانت مجرد إشارات لم يُحسن أحد قراءتها؟
فما بين سنوات: 1908 و1913 تكررت الأزمات في منطقة البلقان: ضم البوسنة والهرسك، الحروب البلقانية، وتنازع النفوذ بين روسيا والنمسا-المجر. ورغم أن هذه الأزمات لم تتحوّل إلى حرب كبرى، إلا أنها عمّقت القناعة بأن الانفجار قادم يوماً ما لا محالة.
أليس في أزمات أوكرانيا، تايوان، وفلسطين؛ اليوم ملامح لتلك الإنذارات التي يتجاهلها العالم حتى تقع الكارثة؟ وهل نحن بصدد إعادة إنتاج نفس العمى الاستراتيجي الذي طبع القوى العظمى عشية سنة 1914؟
سادسًا: الفكر العسكري وخطط التعبئة: هل كانت الجيوش تحكم السياسيّين؟
لعل من أخطر ما يميز تلك المرحلة أن القوى الأوروبيّة وضعت خططًا عسكريّة صارمة (كخطة شليفن الألمانيّة)، تُنفَّذ آليًا عند وقوع أزمة ما. فأي نزاع لم يكن يُترك للدبلوماسيّة، بل ينزلق مباشرة إلى الميدان.
هنا يُطرح السؤال الاستفزازي: هل نحن اليوم أسرى للمنطق ذاته، حيث الذكاء الاصطناعي الحربي والأنظمة الدفاعيّة الآلية التي قد تجعل من أي خطأ تكتيكي شرارة لا يمكن السيطرة عليها ولا التحكم فيها؟
سابعًا: الراهن بوصفه مرآة: هل يعيد العالم إنتاج سنة 1914 بأدوات القرن الحادي والعشرين؟
حين نرصد ونقارن سنة 1914 بعالم اليوم سنة 2025، نجد تشابهًا لافتًا للنظر:
- تحالفات متشابكة (حلف الناتو في مقابل روسيا، وصعود الصين).
- قوميّات وصراعات هوية (أوكرانيا، تايوان، الشرق الأوسط).
- سباق تسلح (من الأساطيل البحريّة إلى أسلحة الفضاء والذكاء الاصطناعي).
- تنافس على النفوذ والمعادن النفيسة والنّادرة؛ (من إفريقيا وآسيا إلى التكنولوجيا والطاقة).
لكن الاختلافات أيضًا حاسمة:
- الردع النووي يجعل أي حرب كبرى انتحارًا جماعيًا.
- في ظل التكامل الاقتصادي العالمي يجعل خسائر الحرب شاملة للجميع؛ بحيث كل دولة تبقى حريصة على ألا ينهار اقتصاد الدولة الأخرى المرتبط بها.
- الإعلام والتواصل الفوري يكبح بعض الاندفاعات ويُعري الكواليس بسرعة.
فهل تكفي هذه الفوارق لمنع تكرار سيناريو الحرب العالميّة الأولى؟ أم أن البنية العميقة للصراع الدولي أقوى من أدوات الردع الاقتصادي والنووي؟
* خلاصة: التاريخ كتحذير لا كقدر
إن التأمل في مسار الحرب العالميّة الأولى يكشف أن الشرارة لا تصنع الانفجار إلا إذا كان البرميل ممتلئًا بالبارود.
والسؤال الأعمق اليوم ليس: أين ستكون الشرارة المقبلة؟ بل؛ هل نحن بصدد إعادة ملء البرميل نفسه بأشكال جديدة من التحالفات والنزعات القوميّة والتنافس الجيوسياسي؟
قد يكون الدرس الأهم أن الأمن والاستقرار لا يُبنيان بتكديس الجيوش ولا بسباق النفوذ، بل بتوسيع فضاءات التفاهم وتقليل منطق “اللعبة الصفرية”.
ومع ذلك، يبقى السؤال المقلق مفتوحًا: هل يتعلم الإنسان من مآسيه، أم أن قدره أن يعيد إنتاجها في كل قرن، ولكن بأدوات أكثر فتكًا؟





