في جدليّة التحوّل والعجز المتعدد الأبعاد والوظائف في المراجعة: نحو تفكير استراتيجي في زمن اللايقين الرقمي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* الدُّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفار

 

 

لم يعد التحول والمُتغيّر سِمةً طارئة على عالمنا المعاصر؛ بل أصبح حالته البنيويّة الدائمة. فالثبات، بوصفه إمكانية تاريخيّة، يكاد يتلاشى أمام تسارع التحوّلات وتشابكها.
غير أنّ المعضلة الكبرى لا تكمن في حدّة التغيّر ذاته الحاصل، بقدر ما تكمن في العجز المزمن عن إنتاج مراجعة عميقة، نقديّة، وشجاعة، قادرة على مساءلة المسلّمات قبل إعادة إنتاجها وتدويرها في قوالب تقنيّة أو خطابيّة مُطمئنة.
نعيش لحظة تاريخيّة تتكاثف فيها أصداء التحوّلات العالميّة والسياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة والعسكريّة والبيئيّة والتكنولوجيّة؛ إلى درجة تُربك الوعي الجماعي وتُربك أدوات الفهم نفسها.
فالعالم لا يتحوّل فحسب، بل يعيد تعريف قواعد اشتغاله، في مشهد تتراجع فيه القدرة على التنبؤ، ويغدو المستقبل أقرب إلى منطقة رماديّة كثيفة من الاحتمالات المتداخلة.
في هذا السياق، تتسابق الأمم والدول نحو تحصيل عناصر المنعة: السيطرة على مصادر الطاقة وامتلاك مفاتيح التكنولوجيا وتأمين سلاسل الغذاء والتحكّم في الموارد الإستراتيجيّة.
لكن السؤال الجوهري يظل معلقًا: هل يكفي امتلاك هذه العناصر، أم أن الإشكال الحقيقي يكمن في كيفيّة إدراكها، وتوظيفها، وتأويلها وتطوير مصادر إنتاجها داخل بنية اجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة وثقافيّة محدّدة؟
* بين التنميّة المنشودة ومنطق السيناريوهات:
بالنسبة لبلد يسعى إلى شقّ طريقه نحو التنميّة وتحسين شروط الرفاه وجودة الحياة لمواطنيه؛ فإن مواجهة هذه التحوّلات لا يمكن أن تتم عبر خطاب واحد أو قراءة أحادية. بل تفرض نفسها ضرورة التفكير وفق منطق السيناريوهات، لا بوصفه تمرينًا تنبؤيًا، بل كأداة نقديّة لاختبار مدى الجاهزيّة المؤسسيّة والخيال الاستراتيجي.
يمكن، في هذا الإطار، تمييز ثلاثة سيناريوهات كبرى:
1. سيناريو القراءة الورديّة للأوضاع، حيث تُقرأ المؤشرات بمعزل عن سياقاتها العامة البنيويّة.
2. سيناريو بقاء الحال على ما هو عليه، حيث يُراهن على الاستمراريّة في عالم لا يعترف بها.
3. سيناريو الوضعيّة الأسوأ، وهو السيناريو الأكثر إزعاجًا، لكنه الأكثر إنتاجيّة من حيث التفكير.
والسؤال هنا ليس: أيّ السيناريوهات أرجح؟ بل: هل نمتلك الشجاعة والجُرأة المعرفيّة لاعتماد السيناريو الأفضل في ضوء الوضع الأسوأ كنقطة انطلاق للبرمجة والتخطيط، لا كخطاب تشاؤمي، بل كمنهج وقائي واستباقي؟
ففي عالم محتمل الانزلاق نحو غلاء الطاقة واندلاع الحروب وتفشّي الأوبئة وتراجع الاقتصاد العالمي وانحباس الموارد الطبيعيّة؛ وعلى رأسها الماء؛ يصبح التفكير في الحل الممكن في ظل الوضع والأزمة الأسوأ؛ شرطًا للعمل من أجل “الأفضل الممكن”.
* نقد القراءة التقنيّة: حين تعمى الأرقام عن رؤية المجتمع
تُظهر التجارب، خصوصًا في الدول الناميّة، أن القراءة التقنيّة الورديّة الصرفة للمشاريع والسياسات العامة والعموميّة والقطاعيّة؛ التي تكتفي بلغة الأرقام والمنحنيات والجداول؛ غالبًا ما تنتج وعيًا زائفًا بالنجاح.
فالأرقام، رغم مركزيتها في العصر الرقمي (Digital Age)، ليست بريئة ولا محايدة بطبيعتها؛ بل هي أدوات تحتاج إلى تأطير اجتماعي، وسياق تاريخي، وحسّ نقدي يقظ.
هنا تبرز أهمية القراءة الاجتماعيّة والسياسيّة للمشاريع والسياسات العموميّة، بوصفها قراءة تتجاوز منطق “الهندسة التقنيّة” نحو تفكيك المنطق الداخلي لتمفصل الأزمات العميقة.
فكم من إنجازات جرى الاحتفاء والتباهي بها لأنها “نجحت رقميًا”، بينما أخفقت في ملامسة التصدّعات الاجتماعية. وكم من مؤشرات إيجابيّة أخفت خلفها هشاشة بنيويّة عميقة، أو أعادت إنتاج وتدوير الاختلالات بدل معالجتها.
إن أخطر ما في لغة الأرقام؛ ليس صدقيّتها أو كذبها المحتملين، بل قراءتها التقنيّة والورديّة، حين تتحوّل إلى لغة تهويل وتضخيم وانبهار، تُسكّن القلق بدل مساءلته.
وهنا يُطرح سؤال إشكالي: هل نستخدم الأرقام لقياس الواقع، أم لإعادة صياغته بما يخدم خطاب الطمأنة السياسية؟
* نحو أفق استشرافي نقدي:
إن التفكير الاستراتيجي في زمن اللايقين يقتضي الجمع بين التحليل السياسي الرصين، والفهم الأنثروبولوجي لبنية المجتمع، والاستيعاب الجيوسياسي لموازين القوى، دون السقوط في فخ التقنيّة المعزولة أو البلاغة الفارغة.
فالتنمية ليست مسألة موارد فقط، بل مسألة معنى واتجاه؛ وليست مسألة لغة أرقام تراكميّة فحسب، بل مسألة عدالة اجتماعية ومجاليّة بين مناطق الجبال والواحات والمناطق الحضريّة واستدامة وقدرة على الصمود.
ويبقى السؤال المفتوح والضروري، هو:
هل نمتلك اليوم، كمجتمعات ودول، القدرة على تحويل القلق التاريخي إلى طاقة تفكير، بدل تحويله إلى خطاب إنجازي مفرغ من النقد؟
ذلك أن المستقبل لا يُبنى باليقين، بل بقدرتنا على التفكير العميق في هشاشتنا، قبل الاحتفاء بقوتنا.

* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...