بين ثنايا الحِكاية تكمن حِكاية: المعجزة والاستمطار الصناعي في تطور الممارسة الدبلوماسيّة من المطر إلى الملعب
* الدُّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفار
يُقدم القرار غير المسبوق في النظام الرياضي الدولي، القاضي باقتسام المركز الثالث والتعويض المالي بين الإمارات العربيّة المتحدة والمملكة العربيّة السعوديّة في كأس العرب، نسخة 2025 التي أقيمت بدولة قطر؛ مدخلًا استثنائيًا لاستقصاء تحولات العقل السياسي وانتقاله من منطق الصراع الحتمي إلى منطق التسويّات والترضيّات والتوافق المُدار.
لا يُختزل هذا الحدث في شذره الإجرائي، بل يفتح نافذة أنثربولوجيّة على كيفيّة تحول الممارسات الجماعيّة؛ حتى الرياضية منها؛ إلى حقول لتجسيد الصراعات التاريخيّة وتمكين المصالحات الرمزيّة.
إنه استعارة مكثفة عن انتقال بَرَكة “الماء” من كونه أداةً لغسل حنث القَسَم في ساحات المعارك القديمة، إلى كونه أداةً دبلوماسيةً (كالاستمطار الصناعي) لنشر الرحمة السياسيّة بين البلاد والعباد ورأب الصدع الحدودي.
* التماس المطر: التاريخ كاستعارة بنيويّة
تتجلى في حكاية قسم الإمام علي -رضي الله عنه- والإجابة لدعاء النبي –صلى الله عليه وسلم– رؤية كونيّة حيث يتم التماس التدخل الإلهي (المطر) لحل معضلة إنسانيّة مستعصيّة ومستحيلة، وهي: (الحنث في القسم). وهنا، الماء ليس عنصرًا طبيعيًا فحسب، بل هو وسيط رمزي يغسل التناقض ويحول دون الانهيار الأخلاقي.
* حكاية القَسَم والمطر: حين تحقن وتُغسل الدماءُ بالغيث
تحكي والدتي، والعهدة على الرّاويّ؛ كان حتى كان كاين الله فكل مكان، كان الحبق والسوسان فحجر النبي العدنان؛ في لهيب معركة دارت رحاها بين جيوش المسلمين وجيوش الروم، وقف الإمام علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- أمام جنوده، وقد تَقطَّبَ الأفق بنذر المواجهة.
كان الموقف يستدعي عزيمةً لا تلين، فرفع صوته بأقسَمٍ غليظ، حلف فيه ألا يوقف زحف المسلمين إلا بعد أن يبلغ دمُ العدو ركبة فرسه “السرحاني” الأصيل. وكان قَسَماً مستحيلاً في منطق الأرض، يستدعي نزول الدم من علو، أو ارتفاع الأرض من سفل، وكأنما كان يستعصي على قوانين الطبيعة والفيزياء نفسها.
وصل نبأ هذا القَسَم الغليظ إلى أسماع النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- فخشي على ابن عمه وصهره من حنثٍ في يمينٍ أغلظ به. ففي قلب الرحمة النبويّة، لم يكن الأمر مجرد نصر عسكري، بل كان حفظًا لعهد وصدقٍ في قول.
رفع رسول الله أكفَّ الضراعة، وابتهل إلى مالك الملك: “اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، واسمك الأعظم، وجدك الأعلى وكلماتك التّامّات، أن تسقينا الغيث، وتنشر رحمتك… حتى لا يحنث ابن أخي علي”.
لم تمر إلا لحظات، حتى انشقت السماء بنعمة لم تكن في حساب أحد. هطل المطرُ مدراراً، يغسل تراب المعركة، ويُعيد تشكيل المشهد كله. اختلطت مياهُ السماء بدماء القتلى على الأرض، فارتفع منسوبُ السائل الأحمر الممزوج بالماء العَذْب، حتى بلغ ركب الخيول الثابتة في مكانها. لقد تحققت المعجزة: لم ينتقل الدم إلى الفرس، بل ارتفع الماء إلى الدم.
عندها، نظر علي -رضي الله عنه- إلى الركبة وقد لُفَّتْ بماء مختلط بآثار المعركة. فكان في هذا المشهد درسٌ عميق في التواضع والقدرة الإلهيّة. لم ينتصر بحد السيف وحده، بل انتصر بمعجزة الرحمة التي أنزلت الحل من السماء. فأوقف الزحف فوراً، مسلماً الأمر لقدرة أكبر من كل حساب بشري.
لقد غُسلت حُمَّة القَسَم بالمطر، وغُسلت نار الحرب برحمة الاستجابة، في لحظة جمعت بين حكمة القيادة وسمو الروح، وبين قوة الإرادة وتسليم الأمر لله.
تشكل هذه الحكاية نموذجًا أوليًا للتدخل “الخارق” لحل أزمة، حيث يتحول المطر من ظاهرة فيزيائيّة إلى فعل رحمة مُوجَّه، يوقف القتال ويصون اليمين.
إنها لحظة يذوب فيها الصراع الدموي في طقس تطهيري جماعي، مقدمةً رمزيّةً عميقة لفكرة “الوساطة الخارجيّة” التي تعيد تشكيل الواقع.
* من الاستمطار الإلهي إلى الاستمطار الدبلوماسي: تحول وسائط الحل
يقودنا هذا إلى المفارقة المعاصرة: إذا كان المطر سابقًا يُلتَمَسُ دعاءً لوقف الحرب، فإنه اليوم يُستَمطَرُ تكنوقراطيًا لخدمة أغراض سياسيّة واقتصاديّة. عملية الاستمطار الصناعي تمثل قمة سيطرة العقل البشري على العناصر واعتباط الطبيعة وتوظيفها ضمن حسابات مسبقة.
هذا التحول الجذري من “الالتماس” إلى “التحكم” ينعكس في المجال السياسي والاجتماعي. فالصراعات الحدوديّة الموروثة عن “لعنة الاستعمار”؛ لم تعد تُحَلُّ بالحرب أو بالمعجزات، بل بآليات دبلوماسيّة وإداريّة جد معقدة، حيث يتم “استمطار” الحلول عبر مفاوضات واتفاقيات، وحتى عبر قرارات رياضيّة تبدو شكلانيّة.
* الملعب كحقل رمزي: اقتسام المركز كطقس مصالحة لا غالب ولا مغلوب
هنا يبرز الحدث الرياضي المذكور ليس كخبر عابر، بل كطقس سياسي ورمزي معاصر. قرار الاتحاد الدولي (الفيفا)؛ وإن بدا إجرائيًا؛ يحمل دلالات أنثربولوجيّة عميقة.
إن “اقتسام” المركز الثالث والتعويض المالي هو استبدال لمنطق “الفائز الخاسر” الثنائي بمنطق “التوزيع” و”التساوي”. إنه طقس يُعاد فيه تمثيل الصراع (عبر المنافسة) ثم حله (عبر الاقتسام) في فضاء محكوم بقوانين متفق عليها عالميًا.
الملعب هنا يصير فضاءً طهريًا، مكانًا تُحَلُّ فيه الخلافات رمزيًا عبر هدنة مؤقتة، وتُسْتَبْقَى فيها العلاقات عبر تحويل التنافس إلى شراكة في المنصب والمردود المادي.
* استشراف: الرياضة كجهاز استمطار للعلاقات الدولية
يُشير هذا التحليل إلى استشراف أوسع: لم تعد الرياضة مجرد لعبة أو ترفيه، بل صارت “جهاز استمطار” سياسي واجتماعي فاعل.
هي آلية لإدارة وتدبير التوترات بين الكيانات، وطريقًا لبناء رأس مال رمزي مشترك، ووسيطًا لتجسيد المصالحات على مستوى اللاوعي الجمعي.
قرار كهذا يطرح أسئلة بنيويّة جوهريّة: إلى أي مدى يمكن للأنظمة الرمزيّة (كالرياضة) أن تحل محل الأنظمة السياسيّة التقليديّة في حل وفض النزاعات والصراعات الانقساميّة؟ كيف يُعاد تعريف “الانتصار” و”الهزيمة” في عصر تتعقد فيه المصالح وتتشابك؟ وأي تحولات جذريّة يشهدها مفهوم السيادة عندما تتدخل هيئات عالميّة (كالفيفا) في ترتيب الأولويّات بين الدول؟
إن الانتقال من معجزة المطر التي منعت الحنث، إلى احتمال اللجوء إلى تقنيّة الاستمطار الصناعي التي تروي الأراضي، ثم إلى دبلوماسيّة الملعب التي تقتسم المراكز؛ يروي قصة تحول العقل البشري من الاستسلام للقدَر إلى إدارة وتدبير المخاطر، ومن ثنائيّة الصراع إلى منطق التفاوض.
في هذا السياق، يصبح قرار “اقتسام المركز الثالث” أكثر من مجرد حادثة رياضيّة؛ إنه عيّنةً دالة على ميلاد لغة سياسيّة جديدة، لغة تبحث عن “المطر” الرمزي القادر على غسل جراح التاريخ، وتقديم حلولٍ قد تكون، في هدوئها الظاهري، ثوريّة في دلالتها على مستقبل إدارة وتدبير العلاقات بين الأشقاء، وبين الأمم.
_____
* الجهاز المفاهيمي للمقال:
ينطلق هذا المقال من حزمة مفاهيمية متقاطعة، تُوظَّف بوصفها أدوات تحليلية لفهم تحوّلات الرمز السياسي بين السياقات المقدّسة والممارسات المؤسسية المعاصرة، لا بوصفها مفاهيم معياريّة مغلقة، بل باعتبارها بنيات دلالية قابلة للاشتغال التحليلي.
1. مفهوم الاستثناء:
يُستخدم مفهوم الاستثناء للدلالة على اللحظة التي تُعلَّق فيها القاعدة دون أن يُلغى النظام. فالاستثناء لا يُقوّض البنية القانونية أو التنظيمية، بل يكشف حدودها الداخلية، ويُظهر قدرتها على التكيّف مع سياقات غير نمطية.
وفي المجال الرياضي، يتجلّى الاستثناء في القرارات التي تخرج عن منطق الترتيب الصارم دون أن تنسف مبدأ المنافسة ذاته.
2. مفهوم تعليق العنف:
يحيل مفهوم تعليق العنف إلى الآليات الرمزية أو المؤسسية التي تُستخدم لإيقاف الصراع دون حسمه عسكريًا أو إلغائه قيميًا. لا يُفهم التعليق هنا بوصفه إنهاءً للنزاع، بل إعادة إدخاله ضمن نظام معنى يسمح بإدارته مؤقتًا، ويمنح الفاعلين مخرجًا يحفظ توازن المكانة الرمزية بينهم.
3. مفهوم الوسيط الرمزي:
الوسيط الرمزي هو العنصر الذي يتجاوز أطراف الصراع، ويعمل بوصفه أداة تحكيم غير مباشرة. قد يكون هذا الوسيط دينيًا، أو طبيعيًا، أو مؤسسيًا، أو رياضيًا. وتكمن وظيفته في نقل النزاع من حيّز الإرادة المباشرة إلى حيّز المعنى المؤطَّر ثقافيًا، بما يتيح تعليق الاستقطاب دون اللجوء إلى الإكراه.
4. مفهوم الرأسمال الرمزي:
يُقصد بالرأسمال الرمزي مجموع القيم المعنوية والاعتراف الاجتماعي المرتبط بالمكانة، والهيبة، والشرعية. وفي السياق الرياضي، لا يقتصر الرأسمال الرمزي على الفوز، بل يشمل طريقة الفوز، وإدارة الخسارة، والالتزام بقواعد اللعب، والقدرة على تحويل التنافس إلى اعتراف متبادل.
5. مفهوم السيادة الناعمة:
تُفهم السيادة الناعمة بوصفها قدرة الدولة على التأثير في المجال الإقليمي أو الدولي عبر أدوات غير قسرية، تشمل الثقافة، والتنظيم، والرياضة، وإدارة الموارد.
هذا، وتندرج القرارات الرياضية الاستثنائية ضمن هذا الإطار حين تُستخدم لإرسال رسائل تهدئة، أو لبناء الثقة، أو لإعادة صياغة صورة الدولة في المجال العمومي.
6. مفهوم المجال التداولي:
المجال التداولي هو الفضاء الذي تُنتج فيه المعاني وتُتداول الرموز بين الفاعلين الاجتماعيين. وتمثّل الرياضة، وخصوصًا كرة القدم، أحد أكثر هذه المجالات كثافة وتأثيرًا، نظرًا لقدرتها على اختزال الهويات، وتكثيف الانفعالات، وتحويل القرار التنظيمي إلى خطاب ذي أثر سياسي واجتماعي واسع.
7. مفهوم ترييض السياسة:
يُستخدم هذا المفهوم للإشارة إلى انتقال بعض منطق السياسة إلى المجال الرياضي، ليس عبر الهيمنة المباشرة، بل عبر إعادة صياغة أدوات التنافس السياسي بلغة رياضيّة: التهدئة بدل الصدام، المشاركة بدل الإقصاء، والرمز بدل القوة الصلبة. وهو مفهوم إجرائي يختلف عن تسييس الرياضة الذي يفترض إخضاع الرياضة لأجندات خارجية صريحة.
8. مفهوم الخيال الجمعي:
الخيال الجمعي هو مجموع التمثّلات والصور الذهنيّة التي تشكّل إدراك الجماعة لذاتها وللآخر.
هذا، وتؤدي الرياضة دورًا مركزيًا في إعادة إنتاج هذا الخيال، سواء عبر ترسيخ صور التنافس العدائي، أو عبر فتح أفق للتعايش الرمزي وإعادة تعريف حدود الاختلاف.
* وظيفة هذا الجهاز المفاهيمي:
يهدف هذا الجهاز المفاهيمي إلى توفير إطار تحليلي يُمكّن من قراءة الحدث الرياضي بوصفه ظاهرة رمزية ذات امتدادات سياسية وثقافية، دون الوقوع في اختزال رياضوي أو تسييس فجّ.
كما يسمح بتتبع استمرارية الوظائف الرمزية بين التاريخ المقدّس والممارسة المؤسسية المعاصرة، عبر مفهوم جامع هو تعليق الصراع بواسطة وسيط أعلى.
* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





