التظاهرات الرياضيّة الكبرى بوصفها اختبارًا أخلاقيًا: بين الاكتشاف الثقافي وتوظيف المأساة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* الدُّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفار

 

 

  لم تعد التظاهرات الرياضية الكبرى مجرّد مناسبات تنافسية أو احتفالية، بل غدت فضاءات رمزيّة كثيفة الدلالة، تتقاطع فيها الثقافة بالسياسة، والأخلاق بالإعلام، والذاكرة الجماعيّة بالتمثلات العابرة للحدود. فهي، إلى جانب بعدها الرياضي، تؤدي وظيفة اختبار أخلاقي يكشف أنماط النظر إلى الآخر القريب والآخر البعيد، وحدود الالتزام بالقيّم الإنسانيّة الكونيّة المشتركة في لحظات الفرح كما في لحظات الألم.
  لقد أظهرت التظاهرة القارية لكأس أفريقيا للأمم، كيف يمكن لحدث رياضي أن يتحوّل، في نظر بعض المشاركين والمراقبين، إلى فرصة للاكتشاف الثقافي الحقيقي: اكتشاف مجتمعٍ قادر على تحويل المنافسة الرياضيّة إلى لحظة تلاقٍ إنساني للحضارات والثقافات، تقوم على أسس التضامن الاجتماعي، وكوم الضيافة غير الاستعراضيّة، والاحتفاء بالحياة دون إنكار أثمانها. في مثل هذه اللحظات، تتبدّى الثقافة بوصفها ممارسة وخوض مغامرة يوميّة حيّة في مناطق الجبال ومجتمع الواحات، تجربة تعاش ولا يُحكى عنها، ولا بوصفها خطابًا رسميًا أو صورة نمطيّة تُعاد إنتاجها إعلاميًا.
  في المقابل، كشفت التظاهرة ذاتها عن نزعة أخرى، أقل التزامًا بالمعايير الأخلاقيّة، حيث اختارت توظيف المأساة الإنسانيّة خارج سياقها الطبيعي. فقد جرى استدعاء صور الألم والضحايا والظلام لا بهدف التذكير المسؤول أو المساءلة الأخلاقيّة الجادّة، بل باعتبارها رأسمالًا رمزيًا يُستثمر في خطاب الإدانة أو التشفي أو الإثارة الإعلامية أو ركوب الدناءة من أجل الإساءة. هنا، لا يعود الضحايا ذواتًا تستحق الاحترام، بل يتحولون إلى أدوات ضمن سرديّات جاهزة، تُختزل فيها المعاناة الإنسانيّة إلى مادة استهلاكيّة.
  تكمن المفارقة الجوهريّة، في هذا السياق العام، لا في تعدد زوايا النظر، بل في تباين المنظومات القيميّة التي تحكم عملية التلقي ذاتها. فمن منظورٍ أخلاقيٍّ كوني، يُفترض أن تُقرأ الأحداث الكبرى باعتبارها فرصًا لتعميق الفهم المتبادل وبناء الجسور بين الثقافات المختلفة. أما حين تُختزل هذه الأحداث في توظيف انتقائي للألم والأوجاع، فإن ذلك يكشف خللًا في العلاقة بين الخطاب والضمير، وبين النقد والمسؤولية.
  اللافت أن الواقع الميداني، في مثل هذه الحالات، يبقى غالبًا أكثر اتساقًا من تمثلاته الخطابيّة. فالمجتمع المضيف قادر، في آنٍ واحد، على الاحتفاء بالحياة والاستمرار فيها، دون إنكار ذاكرته الجريحة أو التنصل من واجب التضامن مع المتضررين. غير أن الاختلاف يظهر بوضوح في نوايا الفاعلين الخطابيين، لا في طبيعة الحدث ذاته.
  هذه الإشكالية تتجاوز المجال الرياضي لتلامس بنية التفكير في الأزمات عمومًا. فثمة فاعلون، أفرادًا كانوا أم جماعات، لا يكتفون بالتعايش مع الأزمات، بل يعيدون إنتاجها وتدويرها رمزيًا وخطابيًا، بوعي أو دون وعي. ويحدث ذلك حين تتحول الأزمة إلى حالة ذهنيّة مألوفة، أو إلى موردٍ للشرعيّة الأخلاقيّة، أو إلى عنصر مركزي في بناء الهويّة الذاتيّة أو الجماعيّة على حساب الإساءة لشعوب وأمم أخرى.
  ويُسهم في هذا المسار جملة من العوامل، من بينها الخوف من التغيير وما يقتضيه من مراجعة للمسلّمات، وغياب التفكير النقدي المنهجي لصالح التفسير العاطفي والتعميم، فضلًا عن الاستفادة الرمزيّة أو الماديّة التي قد تنتج عن استمرار الأزمة. في هذه الحالات، لا تعود الغاية تفكيك أسباب المعاناة، بل إدارة وتدبير حضورها الدائم في الوعي الجمعي.
  إن استمرار الأزمات، في كثير من السياقات، لا يعود فقط إلى تعقيد الواقع الموضوعي، بل إلى تعقيد الذهنيّات التي تتعامل معه، وإلى عجزها عن الانتقال من منطق التوظيف إلى منطق الفهم، ومن خطاب الإدانة إلى أفق الحلول.
  وفي هذا الإطار، تبرز قاعدة عامة صالحة للتطبيق في مجال السياسة كما في عالم الرياضة: حين يغيب معيار الكفاءة وتحضر الاعتبارات غير الموضوعيّة، وحين يُستبدل النقد المسؤول بالاتهام المجاني، تُصاب المؤسسات بالهشاشة وتتحول القيّم إلى شعارات فارغة. فالنقد الذي لا يتحمّل مسئوليّة اقتراح البدائل، ولا يعترف بتعقيد السياقات، لا يسهم في إنارة المجال العام، بل يكرّس ارتباكه.
  إن التزام المعايير الأخلاقيّة الكونيّة يقتضي، في النهاية، أن تُقرأ التظاهرات الرياضيّة الكبرى بوصفها لحظات للفهم والتقارب، لا منصّات لتدوير المآسي. فاحترام الكرامة الإنسانيّة، في الفرح كما في الألم، هو المعيار الحقيقي الذي تُقاس به مصداقيّة الخطاب، وعمق الوعي، ونزاهة الموقف.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...