من وهم الصوت إلى فتنة الصورة: التحكيم الإفريقي بين عدالة التقنيّة ومنطق الفوضى

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* الدُّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفار

 

– أولًا: حين كان الصوت بديلاً عن العدالة
    كيف تُبنى القناعة الجماعية بالظلم في غياب الصورة؟ وأيّ دور يلعب الخيال الجمعي حين يُترك المتلقي وحيدًا مع الصوت، يتلمّس الحقيقة عبر نبرة المعلّق وتقطّعات أنفاسه أكثر مما يتلمّسها عبر الوقائع؟
    في زمن التعليق الإذاعي، لم يكن المتلقي المغربي يملك سوى الصوت بوصفه وسيطًا معرفيًا. ومع ذلك، كانت فكرة الظلم التحكيمي حاضرة بقوة، لا باعتبارها سردية عاطفية فحسب، بل كوعيٍ متراكم تشكّل عبر تكرار التجربة.
    لم يكن الصوت بريئًا، لكنه لم يكن متورّطًا في إعادة إنتاج الوهم؛ كان ناقلًا لارتباك الميدان لا صانعًا له. المفارقة أن غياب الصورة لم يمنع تشكّل يقينٍ عام بأن العدالة الكروية في السياق الإفريقي ليست مسألة تقنية، بل امتدادًا لعلاقات قوة غير متكافئة.
– ثانيًا: الصورة العالية الدقة… حين تصبح الرؤية أكثر التباسًا
    هل تُنتج الكاميرا الحقيقة بالضرورة؟ أم أن تضاعف زوايا الرؤية قد يؤدي إلى مفارقة وإلى تعقيد الفهم بدل تبسيطه؟
    مع الانتقال إلى البث عالي الجودة، لم ننتقل فقط من الصوت إلى الصورة، بل من الظلم الفجّ إلى الظلم المؤوَّل. صارت اللقطة الواحدة تُعاد عشرات المرات، لكن من زوايا منتقاة بعناية، وفي توقيتات محسوبة، وبإيقاع بصري يُوجّه الإدراك دون أن يفرض استنتاجًا صريحًا. هنا لا تُلغى الواقعة، بل يُعاد ترتيب معناها.
    وهكذا لم تعد المسألة: هل وقع الخطأ؟ بل: كيف قُدِّم الخطأ؟ وبأي سردية بصرية؟
    الصورة، خلافًا لما يُروَّج له، لا تملك أخلاقًا ذاتية؛ إنها تخضع لمن يختارها، يقتطعها، ويُدرجها في سياق معيّن. وبهذا المعنى، تصبح التقنية أداة ضبط رمزي، لا آلية تحرّر تلقائي.
– ثالثًا: تقنية ال:(VAR) كجهاز معياري أم كآلية انتقائيّة؟
    ما الذي يمنح تقنية واحدة سلطة التدخل في لحظة، والامتناع في أخرى متشابهة؟ وأين ينتهي “التقدير التحكيمي” ليبدأ الانحياز البنيوي؟
    نظريًا، يمثّل حكم الفيديو المساعد قطيعة مع التحكيم الحدسي، وانتقالًا إلى منطق التحقّق. عمليًا، تكشف التجربة الإفريقية أن تقنية ال:(VAR) لا يعمل كقانون عام، بل كـإجراء انتقائي. يتدخّل حين يكون تدخّله غير مُكلف سياسيًا أو تنافسيًا، ويصمت حين يصبح تدخّله مخلًّا بتوازنات غير رياضية.
    هذا الصمت ليس تقنيًا، بل دلالي؛ لأنه يحوّل التقنية من أداة عدالة إلى آلية شرعنة: شرعنة القرار المتخذ مسبقًا، لا مراجعته. وهنا يتآكل الأساس الأخلاقي للتكنولوجيا، وتتحوّل إلى واجهة حداثية لمنطق قديم.
– رابعًا: التحكيم الإفريقي كحقل سوسيو–سياسي
    إلى أي حد يمكن فصل المباراة عن سياقها؟ وهل يمكن للتحكيم أن يكون محايدًا في فضاء لم يحسم بعد علاقته بالسلطة والشرعية والرمزية؟
    لا يمكن فهم ما يحدث داخل الملعب بمعزل عن البنية المؤسسية التي تحتضنه. فالتحكيم في إفريقيا لا يتحرّك في فراغ قانوني محض، بل داخل حقل مشبع بتاريخ من التراتبيات، والحساسيات، والاصطفافات.
    بعض المنتخبات لا تُواجَه كفرق رياضيّة فقط، بل كرموز سياسيّة، أو امتدادات لخيارات سياديّة، أو نماذج نجاح غير مرغوب فيها داخل منظومة لم تُسوِّ بعد علاقتها بمفهوم الاستحقاق.
    في هذا السياق، لا يكون الخطأ التحكيمي حادثًا عرضيًا، بل يصبح جزءًا من اقتصاد القرار: ما الذي يمكن تمريره أو حجبه؟ وما الذي يجب وقفه؟ وما الذي يخضع للتدليس والتزوير أو بالتصرف بالزيادة والنقصان؟ ومن يملك هامش الخطأ والغلط، ومن يُحاسَب عليه؟
– خامسًا: بين إنكار الظلم وتكريس اللامعقول
    كيف يُطلب من المتلقي أن يُكذّب ما رآه؟ وأيّ أثر يخلّفه هذا الإنكار المتكرر على الثقة في المؤسسة الرياضية ذاتها؟
    حين تُعاد اللقطة، وتُظهر ما يُفترض أنه خطأ واضح، ثم يُصرّ الخطاب الرسمي على نفي الظلم، لا يُنتج ذلك اقتناعًا، بل اغترابًا. اغتراب المتلقي عن اللعبة، عن الخطاب، وعن المعنى. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في خسارة مباراة، بل في تآكل الإيمان بقواعد اللعبة نفسها.
    إن أخطر ما في التحكيم غير العادل اليوم ليس القرار الخاطئ، بل الإصرار على تسويقه كحقيقة موضوعيّة لا تقبل النقاش، مستندًا إلى سلطة الصورة لا إلى عدالة الإجراء.
* خاتمة: ما الذي تبقّى من العدالة حين تُدار بالعدسة؟
    إذا كانت العدالة الكرويّة تُقاس اليوم بعدد الكاميرات لا بنزاهة القرار، فماذا يبقى من معنى المنافسة؟ وهل يمكن للرياضة أن تظل مجالًا للرمز النظيف، إذا كانت أدواتها التقنيّة تُستعمل لإنتاج الغموض بدل رفعه؟
    ليست المسألة في أن المغرب ظُلِم أو لم يُظلَم في مباراة بعينها؛ المسألة أعمق: إنها تتعلّق بمن يملك تعريف الظلم في زمن الصورة، ومن يملك حقّ تأويل ما نراه بأعيننا. وبين صوتٍ قديم كان يصرخ دون دليل، وصورةٍ حديثة تُقنع دون عدالة، يقف المتلقي اليوم أمام مفارقة قاسية:
    أن ترى كل شيء بعينيك… ولا يُسمح لك أن تُصدّق ما رأيت..!

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...