المآلات الاستراتيجية لما بعد الفيتو الروسي وإخفاق مشروع التمديد الروسي: القضية الوطنية الأولى في ظل التحولات الأممية

 

 

 

 

* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

 

 من المفارقات الاستراتيجية اللافتة في تطورات قضية الصحراء المغربية داخل مجلس الأمن أن روسيا عطّلت مشروع القرار الأمريكي باستخدام حق النقض، بينما أخفق المشروع الروسي البديل في الحصول على الأصوات اللازمة لاعتماده. وهكذا تعطلت المبادرتان معاً، ولم تُجدّد ولاية بعثة المينورسو، فانتهت الولاية دون تمديد.

 إننا أمام مشهد دبلوماسي يتجاوز مجرد اختلاف المواقف بين قوتين عظميين؛ إذ كشف عن حدود التوافق الدولي بشأن مستقبل تدبير هذا الملف، وعن صعوبة تمرير مقاربة أحادية لا تحظى بالحد الأدنى من التوافق داخل مجلس الأمن.

 ومن هنا يبرز السؤال الاستراتيجي: هل يستطيع المغرب تحويل هذا التعثر الأممي إلى فرصة لإعادة طرح الجهوية المتقدمة باعتبارها الإطار الوطني والدستوري والمؤسساتي لتدبير الأقاليم الجنوبية، بدلاً من استمرار البحث عن صيغ سياسية استثنائية؟

 إن أهمية هذه المفارقة لا تكمن في أن مجلس الأمن تبنّى الجهوية المتقدمة، فهو لم يفعل، وإنما في أن تعثر مشاريع القوى الكبرى أعاد فتح النقاش حول حدود المقاربات الأممية القائمة، ومدى قدرتها على إنتاج مخرج سياسي مستقر.

* الذكاء الدبلوماسي المغربي: تحويل تضارب المصالح الدولية إلى هامش للمناورة الاستراتيجية

 يمكن قراءة هذا المشهد من زاوية أن المغرب لم يكن مضطراً إلى الارتهان لأي من الصيغتين المتعارضتين اللتين اصطدمتا داخل مجلس الأمن. فالتجاذب الأمريكي الروسي أفضى إلى تعطيل المشروعين، دون أن يفرض على المملكة تبنّي المقاربة الروسية أو التسليم بجميع مضامين المشروع الأمريكي.

 وتتجلى أبعاد المناورة الدبلوماسية في ثلاثة مستويات أساسية:

– أولاً: عدم الارتهان لمحور دولي واحد؛

 وذلك من خلال الحفاظ على استقلالية القرار الوطني، وتنويع الشراكات والتحالفات، والتعامل مع القوى الكبرى وفق المصالح الاستراتيجية للمملكة، لا وفق منطق الاصطفاف المطلق.

– ثانياً: استثمار التناقضات الدولية؛

 فالتنافس بين القوى الكبرى لا يمثل بالضرورة عائقاً أمام الدبلوماسية المغربية، بل قد يتيح هامشاً للمناورة وإعادة ترتيب الأولويات، متى جرى توظيفه بقراءة دقيقة للتوازنات الدولية وحدود المصالح المتعارضة.

– ثالثاً: تثبيت المرجعية الوطنية والمؤسساتية؛

 وذلك بجعل تدبير الأقاليم الجنوبية منطلقاً من الاختيارات الدستورية والمؤسساتية للمملكة، وفي مقدمتها الجهوية المتقدمة، باعتبارها إطاراً وطنياً لتدبير التنوع المجالي وتوسيع المشاركة المحلية وتوزيع الاختصاصات والموارد، دون إنشاء وضع سياسي أو سيادي موازٍ.

 غير أن الذكاء الدبلوماسي لا يُقاس بمجرد تعثر مشاريع القوى الكبرى أو تضارب مواقفها، بل بمدى قدرة الدولة على تحويل التحولات الدولية إلى مكاسب سياسية ومؤسساتية مستدامة.

* من تعثر المبادرات الدولية إلى إعادة ترتيب الاختيار الوطني:

 لم يكن المغرب طرفاً مضطراً للاختيار بين المشروع الأمريكي والمشروع الروسي؛ فقد أتاح تضارب المواقف بين القوتين العظميين هامشاً للمناورة الاستراتيجية، وعطّل تمرير المبادرتين معاً.

 روسيا أسقطت المشروع الأمريكي بالفيتو، والمشروع الروسي البديل لم يحصل على الأصوات الكافية لاعتماده. وكانت النتيجة عدم تجديد ولاية المينورسو.

 لكن الأهم من هذه النتيجة الإجرائية هو السؤال المتعلق بالمرحلة التالية: هل يستمر تدبير الأقاليم الجنوبية وفق منطق الصيغ السياسية الاستثنائية، أم تتجه المملكة إلى بلورة تصور مؤسساتي وطني موحد، يجعل الجهوية المتقدمة سقفاً لتدبير جميع جهات البلاد، بما فيها الأقاليم الجنوبية؟

 إن هذا التوجه، وفق الأطروحة التي ندافع عنها، لا يعني الانتقال من صيغة تفاوضية إلى أخرى، بل يعني إعادة تأكيد الاختيار الوطني القائم على وحدة الدولة والسيادة، ورفض الحكم الذاتي وتقرير المصير والانفصال وتقاسم السيادة، واعتماد تدبير ترابي لامركزي في إطار دستوري موحد.

* خلاصة: السيادة ووضوح الاختيار الوطني:

 إن المرحلة التي أعقبت تعثر المبادرتين داخل مجلس الأمن تضع الدبلوماسية المغربية أمام استحقاق استراتيجي يتجاوز تدبير التوازنات الآنية، نحو التفكير في مستقبل النموذج المؤسساتي للأقاليم الجنوبية.

 فالمطلوب ليس انتظار توافق القوى الكبرى حتى يتحدد مستقبل تدبير المجال الترابي الوطني، وإنما تعزيز القدرة على المبادرة، وتطوير الاختيارات الدستورية والمؤسساتية، وتحويل الجهوية المتقدمة إلى ممارسة فعلية تضمن التنمية والتمثيلية والتدبير الحر في إطار الوحدة الوطنية.

السيادة لا تُدار بمنطق انتظار توافق الآخرين، بل بوضوح الاختيار الوطني، واستقلال القرار، وحسن توظيف التوازنات الدولية.

والمغرب، بتعدد جهاته وخصوصياته، يظل دولة واحدة، ووطنًا واحدًا، وسيادة واحدة.

_____
*  الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
مفكّر مغربي، له إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي.
– من أبرز مؤلفاته:
1. الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000).
2. الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015).
3. الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).
4. النظام الاجتماعي القبليّ وأثر التربية الصوفيّة فيه- كتاب التصوف والعمران الروحي.. كتاب جماعي.


شاهد أيضا

شاهد أيضا