من التوافق إلى الانقسام.. انتخابات النواب الأردني تكشف هشاشة التحالفات

إيطاليا تلغراف متابعة

عمّان- لم تصمد التفاهمات التي أبرمتها 4 كتل نيابية لتقاسم مواقع المكتب الدائم لمجلس النواب الأردني أمام اختبار صناديق الاقتراع؛ إذ نجحت في إيصال مرشحها إلى رئاسة المجلس، قبل أن تتفكك عند انتخاب نائبيه ومساعديه، وسط اتهامات بـ”الخيانة” ونقض الاتفاقات، وانسحابات نيابية كشفت حجم الخلافات داخل التحالفات الحزبية.

وأعادت نتائج الانتخابات طرح تساؤلات بشأن قدرة الكتل النيابية على الالتزام بقراراتها، ومدى نضج التجربة الحزبية في البرلمان، خصوصاً مع اقتراب انتخابات اللجان النيابية التي يُتوقع أن تشهد إعادة ترتيب للتحالفات وموازين القوى تحت القبة.

أخبار مقترحة

  • التعاون يضرب الفيصلي بثلاثية ويحجز مقعده في ثمن نهائي دوري أبطال آسيا 2
  • أين يخزن الأردن احتياطياته من الطاقة وهل تكفي؟

وبدأت التفاهمات قبل الانتخابات بين كتل “الميثاق” و”مبادرة” و”عزم” و”الأحزاب الوسطية والإصلاح”، ونصّت على منح رئاسة المجلس لـ”الميثاق” وموقع النائب الأول لـ”مبادرة” والنائب الثاني لـ”عزم”، فيما خُصص موقعا مساعدي الرئيس للأحزاب الوسطية والإصلاح.

ونجح التحالف في أول اختباراته، بعدما فاز إبراهيم الطراونة برئاسة المجلس بحصوله على 70 صوتا، مقابل 38 صوتا لمجحم الصقور و23 صوتا لسليمان الزبن، لكن التفاهمات سرعان ما اصطدمت بنتائج مغايرة عند استكمال انتخابات المكتب الدائم.

اتهامات بالخيانة

جاءت أولى المفاجآت بخسارة مرشح كتلة “مبادرة” أحمد الهميسات موقع النائب الأول لرئيس المجلس أمام آية الله الفريحات الذي حصد 88 صوتا مقابل 46 للهميسات، بفارق 42 صوتا.

وأثارت النتيجة اعتراضات داخل المجلس، وانسحب نواب من كتلتي “مبادرة” و”عزم” ما أدى إلى فقدان النصاب ورفع الجلسة إلى اليوم التالي.

وقال الهميسات، للجزيرة نت، إن ما جرى كشف عن “خيانة واضحة” من داخل كتلته النيابية، متهما أعضاء فيها بالعمل ضده، إلى جانب عدم التزام أطراف في الائتلاف بالتفاهمات السابقة.

وأضاف أن الاتفاق تعرض للخرق، وأن تحركات جرت لإفشال ترشحه، معلنا أنه لن يستمر في حزب “مبادرة” أو كتلته النيابية، ولا يتجه حاليا للانضمام إلى حزب أو كتلة أخرى.

وامتدت خسائر التحالف إلى كتلة “عزم” بعدما فاز النائب المستقل محمد سلامة الغويري بموقع النائب الثاني لرئيس المجلس، متقدماً على مرشحها وصفي حداد.

وأظهرت النتائج أن الاتفاق على انتخاب رئيس المجلس لم يكن كافيا لضمان بقية المواقع، فيما لا تسمح سرية الاقتراع بتحديد النواب الذين خالفوا التفاهمات أو معرفة دوافع تصويتهم.

أزمة الالتزام الحزبي

ولم تقتصر الخلافات على الكتل التي خسرت مواقع كانت مخصصة لها، بل امتدت إلى كتلة الأحزاب الوسطية، بعدما حصل مرشحها رائد رباع على 15 صوتا في انتخابات النائب الثاني، رغم أن كتلته تضم 26 نائبا.

وانتقد رباع، في تصريحات للجزيرة نت، ما وصفه بغياب العمل الحزبي و”الكُتلوي” الحقيقي، معتبرا أن نتائج التصويت كشفت ضعف الالتزام داخل الكتل النيابية.

ورأى رباع أن التجربة تعكس مشكلة أوسع تتعلق بقدرة الأحزاب على تحويل قراراتها إلى مواقف جماعية داخل البرلمان.

في المقابل، حقق حزب الأمة (جبهة العمل الإسلامي سابقا) مكسبا سياسيا بفوز مرشحه مالك الطهراوي بأحد موقعي مساعد رئيس المجلس، بعد حصوله على 84 صوتا، رغم أن الحزب لم يكن ضمن التفاهمات الأولية لتوزيع المناصب.

وقال النائب ينال فريحات، عضو حزب الأمة، للجزيرة نت، إن الفوز جاء نتيجة جهود كبيرة بذلتها الكتلة خلال الأيام السابقة، مؤكدا أن أهميته رمزية وسياسية، ولا تعني بالضرورة تحقيق إنجاز ينعكس مباشرة على حياة الأردنيين.

وأوضح أن الحزب لم يحصل على موقع في قيادة المجلس منذ تأسيسه قبل 3 سنوات، معتبرا أن وصول ممثله إلى المكتب الدائم يؤكد أن الإسلاميين جزء من المكونات السياسية الرئيسية في الأردن.

“تحالف المصالح”

يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية الحارث الحلالمة أن انتخابات المكتب الدائم كشفت هشاشة التحالفات النيابية، وأظهرت غلبة الحسابات الشخصية وتقاسم المناصب على التفاهمات البرامجية التي يفترض أن تحكم العمل الحزبي.

وقال الحلالمة للجزيرة نت إن ما جرى أعاد النقاش بشأن قدرة الأحزاب على تشكيل حكومات برلمانية قائمة على التعددية والتنافس البرامجي، خصوصا بعدما وصلت الخلافات إلى اتهام نواب لكتلهم بالخيانة.

وأضاف أن الاختلاف بين النواب أمر طبيعي في العمل السياسي، لكن المشكلة تكمن في غياب قواعد مؤسسية واضحة لتنظيم العلاقة بين النائب وكتلته وإدارة الخلافات الداخلية.

واعتبر الانتخابات بمثابة جرس إنذار للأحزاب الأردنية، ودعاها إلى مراجعة آليات اتخاذ القرار، وتغليب البرامج والمصلحة العامة على المنافسة الفردية على المواقع، محذرا من انعكاس هذه الممارسات على ثقة المواطنين بالعمل الحزبي.

اختبار اللجان والتشريعات

من جانبه، قال عامر بني عامر المؤسس والمدير العام لمركز الحياة “راصد” المتخصص بالشؤون البرلمانية إن الانتخابات كشفت ضعف تماسك الكتل وإدارة القرار الحزبي، بعدما أخفقت التفاهمات المعلنة في الصمود أمام الاقتراع.

وأوضح للجزيرة نت أن حزب الأمة عزز حضوره بفوز الطهراوي، إلى جانب إعلان نواب منه دعم الفريحات الذي فاز بموقع النائب الأول من خارج الحزب.

ورأى بني عامر أن هذه النتائج تمنح الحزب مساحة أوسع في التفاهمات المقبلة، لكنها تضع رئاسة المجلس أمام تحدي إدارة الخلافات بين الكتل وداخلها.

وأشار إلى أن التركيبة الجديدة قد تبدو قادرة على حشد الأصوات لإقرار تشريعات، بينها تعديلات قانون الضمان الاجتماعي، لكن استياء بعض النواب من إدارة التفاهمات قد يدفعهم إلى المطالبة بتعديلات جوهرية أو التصويت ضد بعض المواد.

وأكد أن موازين التصويت على التشريعات قد تختلف عن نتائج انتخابات المكتب الدائم، محذرا من أن استمرار إدارة التفاهمات بين القيادات، من دون مشاركة أعضاء الكتل وبلا قواعد واضحة لحسم الخلافات، قد يعمق الانقسامات ويضعف أهداف التحديث السياسي.

وتتجه الأنظار الآن إلى انتخابات اللجان النيابية، بوصفها الاختبار المقبل لقدرة الكتل على ترميم علاقاتها وبناء تفاهمات أكثر استقرارا.

وبينما نجح التحالف الرباعي في إيصال مرشحه لرئاسة المجلس، أظهرت بقية النتائج أن الاتفاق على الرئيس لا يعني بالضرورة الاتفاق على إدارة البرلمان، وأن التحالفات التي تُبنى لتوزيع المواقع قد تواجه صعوبة في الصمود عندما تبدأ المنافسة الفعلية على النفوذ والقرار.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا

شاهد أيضا