مهام ودور الإمام في إيطاليا رهانات وتحديات – الجزء الثاني-

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

* ذ أحمد براو

 

 

” إن منصب الإمام في آفاق الدنيا أو في آفاق الدين يتطلب صبر السنين و تغضين الجبين.. فليضع المرء نفسه أولا في عزلة و في صمت و في تؤدة، كالشجرة التي يختفي أصلها في ظلمة التراب أمدا تتكون فيه التكون الصحيح، ثم تبدأ تشق طريقها إلى الهواء و الضوء “.
(الشيخ “محمد الغزالي” رحمه الله) .

 

2- التحدي العقلاني التنويري للإمام

هذا التحدي في البناء العقلي للإمام يبدأ من التكوين المعرفي المواكب للواقع الذي يعيش فيه، لأن فكر العالم الغربي مبني على العقلانية وعلى مبدأ الإقناع و التجربة، وعلى النظرة المعرفية التي تَعتبِر المنطق والعقل مصدرا أساسيا للمعرفة أوالتبرير، بحيث يكون معيار الحقيقة فيها فكريا واستنباطيا وليس شعوريا وحسيا، فالتفكير العقلاني هو الطريق الوحيد لمجابهة الأحكام لأن الحواس قابلة للشك. فلا بد لإخضاع الأفكار المسبقة لمحاكمة العقل ولابد لاستخدام منهج الشك لاُكتشاف أي من المعارف التي يمكن أن نحصل عليها باليقين وليس بالإعتقاد والرأي. وهذا لا يدل على أن الفكر في الإسلام متعارض مع المنهج العقلاني بل بالعكس يعتبر الفكر الإسلامي نموذج فريد في جمعه بين الوحي والعقل بدون أي تعارض أوتقابل.

على هذا الأساس وجب أن يكون الإمام على إلمام تام ووعي كافي بضرورة عقلانية الفكر الإسلامي وعلى عدم تعارض منظومته المعرفية مع استعمال العقل والنقل معا وحجيتهما في الإستدلال، حتى يواجه و يفند اتهامات الغرب و مستشرقيه الذين يتهمون الإسلام بأنه ذو فكر ضيق و يفتقد للرحابة و السعة و الإستقطاب مستشهدين بما يصدر من بعض المنتسبين للإسلام، و للأسف حتـى مـن بعـض الأئمـة المتزمتيـن الذيـن بدورهـم يخالفـون روح الإسـلام و بداياته المبنية على الفكر و العقل.

فأول كلمة نزلت في القرآن الكريم هي كلمة “اقرأ” أي أن هناك تعليم و تعلم و أسس لاستخـدام العقـل، بعدها توالـت الآيـات الـتي تؤكـد عـلى أن البعثـة مقصدهـا التعليـم و الدعوة و التزكية “هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ”.
هناك إشارات واضحة لاستخدام مادة العقل والفكر، و البصيرة و التدبر، و الإبصار و التفكر، و كما أن النص أسّس للعقل (أَفَلَا يَعْقِلُونَ) أسّس كذلك للحجاج و البرهان عن طريق الحوار والدليل (قُلْ هَاتُوا بُرْهانَكُمْ). و لهذا فإن للعقل في الفكر الإسلامي قيمة راسخة و الذي يعبد الله بالعقل أفضل من الذي يعبده بالتقليد.

ثم بعد هجرة النبي عليه الصلاة و السلام للمدينة بنى هناك مجتمعا على أساس عقلي منفتح على الجميع و ضامن لكل الحقوق و الواجبات بانسجام و توازن مما جعل المدينة منطلق للتطور و النهضة الحضارية الإسلامية من القرن السادس حتى القرن الخامس عشر.

فالمجتمع الذي يقوم و ينمو و يتقدم لا بد أن يكون مبني على الالتقـاء و الإخـاء و المحبة، و التقـريب و التحكيم، فبرغم ظهور الفرق و الجماعات مع امتداد رقعة الجغرافية و اتساع رقعة الخلاف. لـكـنه خـلاف عـقـلي بـيـن الـفـرق كالشيعـة و المعتزلـة و المرجئـة و القدريـة و الظاهريـة و الماترديـة و الأشعرية، هناك اختلف القوم في التأويل لأن أصلا القـرآن أو النـص القرآنـي هـو “حمـال ذو أوجـه” و منفتح على تفسيرات عدة مرتبطة بالإدراك العقلي و ليس من زاوية التنطع و التعصب و الأهواء. فمنهجية بناء الحجة العقلانية و الدلالة النصية مبنية على المشاطرة في الرأي و التوسع في قبول الآخر و ليس على الإلغاء، فمقولة مثلا ” لا تجادلوا أهل الأهواء” المنسوبة لأهل الحديث مقولة إن لم تكن مرفوضة ففيها نظر. والعقلانية الفقهية عند الفقهاء المسلمين تتجلى بوضوح في عملية القياس عند استنباط الحكم الشرعي وهذه دعوى منطقية ذات صبغة عقلانية صرفة تتطلب مجهودا فكريا ناقدا حتى مع استنادها على النص، فطرق الوقوف على الأحكام التي سكت عليها الشارع هو القياس إذا لم يكن لفظا أو فعلا أو إقرارا كما قال ابن رشد رحمه الله.

كما أن علم الكلام الذي نشأ في العصر العباسي بفعل حركة الترجمة الكبرى كان لا بد من إدخال كتب الفلسفات القديمة للإستفادة منها و كان لابد لهؤلاء المتكلمين أن يصححوا عقائد الناس بفعل اختلاط المسلمين بشعوب جاءت من حضارات أخرى فارسية و رومية و هندية.. لهم فلسفات مختلفة.
وبذلك حاولت هذه المدارس الكلامية أن تجعل قاطرة العقل بالتوازي مع النص الذي بدوره يدعو للعقل، و لنا في الفارابي و ابن رشد أكبر رصيد إسلامي مكمل للفلسفة القديمة باعتباره فكر توفيقي يجمع بين العقل و النقل بحيث أن كل منهما مكمل للآخر، بل هناك من المعتزلة من يقدم العقل على النص القرآني.

و في الأندلس بنى المسلمون حضارة و مجد إنساني و ديني لمدة ثمانية قرون لم يسبق للبشرية أن عرفت مثلها في أي حضارة أخرى.

نفهم من هذا التحدي أن الإمام إذا لم يكن عقلانيا فلا يستطيع أبدا أن ينفذ إلى قلوب الناس لأن دغدغة المشاعـر و العواطـف و الشعبويـة لا بـد أن تصطـدم بقـوة العقـل و رجاحتـه، فكـل مـا يقولـه الإمـام و الخطيب يجب أن يستند للعقل و يستدل عليه بالنص و كل ما يريد أن يوصله يجب أن يكون مقنعا، لأنه لا تبليغ بدون إقناع

و للتبليغ شروط و هي:

-الوضوح، الفكرة، و التنزه عن الخلاف.

فكلام الإمام ينتقل بين الأفواه و ينقل للآخرين و ينتشر بين الناس، فالوضوح يحصِّنه مـن التحريف، و الفكرة الأساسية على بساطتها رسالة تصل و تؤثر على العامة، و ترك الخلاف والتنزه عنه يستخلص المهمة. و الإمام هو معلم الخير يسعى لتحقيق الاستقرار و السعادة بين الناس و نشر الرحمة و المحبة بينهم و رسالته يجب أن تنفذ إلى قلوب الناس و تهذبها بحيث تجعل منها قلوب مستوعبة للجميع و محبة للخير لكل البشر.

كما أن هناك تحدي أخلاقي سلوكي يتسم بالعفو و الصفح و السلام بحيث يضع المجتمع على سكة الأخلاق الحميدة. و هو بالتالي يؤكد رسالة الإسلام و مقصد البعثة بنشر الرحمة بين الناس لكي يتراحموا بينهم “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ”. بالمقابل فهو يحذر من الفكر المتطرف المبني عـلى الإقصـاء، و كمـا أن الدعـوة و التبليـغ و الإمامة مبنية على ثلاث ركائز، فكذلك الفكر المتطرف في جميع الأديان مبني على ثلاث ركائز و هي:

– أولا: الجهل و غالبا ما يكون هذا الجهل مركبا لا يدري صاحبه به بل لا يستوعب فكرة أن الناس مختلفين و لذلك خلقوا.
– ثانيا: انعدام الحجية العقلية لأن خطابه غير مقنع و يريد فرض الرأي الأوحد الذاتي و لو كان مستندا للنص.
– ثالثا: اعتبار نفسه مصدرا للحقيقة.
و بذلك تكون النتيجة لهـذا الفكـر هـو الرفـض و الإقصـاء و الإختـلاف التـام بحيـث ينغلـق صاحبـه و ينطوي على ذاته و لا يستوعب الآخر، لا يتجاوب و لا يتنافس، و تكون أفكاره سلبية في بعض الأمور كالإجتهاد و القياس و المقاصدية و فقه النوازل، هذه الثقافة المنغلقة لا تستطيع أن تنتج معرفة فهي تدور في فراغ وفقط تعيد تكرار نفسها.
إن الـمـعـرفـة والعقلانية هـي التـي تـطـور الـثـقـافـات و الفلسفات و العقول و تؤسس للأخلاقيات و السلوكيات و المعاشرات و المعاملات، و الفضيلة و السعادة، و الطمأنينة النفسية التي تعتبر أهم الأسس لتحقيق الأمن والأمان والسلامة والإسلام.

“الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ”.

يتبع… الجزء الثالث.
“تحديات الإمام في المجتمع الإيطالي”

رابط الجزء الأول: https://italiatelegraph.com/news-54884

*ذ أحمد براو: وسيط ثقافي وناشط جمعوي. -باحث مغربي في علوم التربية بجامعة كالابريا.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...