” مدلل ترامب” جاريد كوشنر وبناء الجسور بين الإخوان والوهابية.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*بقلم.. الدكتور حسن مرهج

 

 

مع عودة قطر إلى الحضن السعودي خاصةً والخليجي عمومًا، كثُرت تساؤلات لجهة الخلافات العميقة بين السعودية وقطر، وإمكانية طيّ صفحة الخلافات بينهما والتي بُنيت على أساس إيديولوجي أولًا، فالتوجهات السعودية والقطرية حيال الشرق الأوسط، لم تُخفي في جوانبها رغبات تعميم المشروع الديني ذو الإطار السياسي ما بين الفكر الوهابي والإخواني، خاصة أنّ الترابط العضوي ما بين هذين الفكرين يؤسس لمنهجٍ سياسي قاتم وقائم أساسًا على الدماء، وهذا حقيقةً ما شهدته دول المنطقة إبان ما سُمي “الربيع العربي”، إذ لا يُمكن لأحد أنّ ينكر بأن الملف السوري مثلًا، كان يشهد تعاونًا وتنسيقًا مشتركًا ما بين الرياض والدوحة، لكن مع اختلاف التوجهات لكلا البلدين في سوريا، لاحظنا حجم الاقتتال بين الفصائل الإرهابية المدعومة سعوديًا، وتلك المدعومة قطريًا.

اذاً، من الواضح أن تضاد المشاريع الإيديولوجية في المنطقة، قد جلب العديد من الكوارث السياسية والعسكرية وحتى الاقتصادية، فالدور الوظيفي الذي تؤديه هذه الدول يكون حتمًا بعد إشارة من السيد الأمريكي، خاصة أنّ جُلّ الوقائع والمعطيات تؤكد بأن ما يحدث في دول المقاومة إنما هي أجندات أمريكية، تُنفذ بأذرع خليجية، فيما يبقى الحاضر في كل ما سبق الدور الإسرائيلي، حيث أنّ إسرائيل لديها هواجسها الخاصة تُجاه دول المنطقة، وتنطلق في استراتيجيتها من مبدأ تأمين دول الطوق، ونسج شبكة علاقات عربية خليجية، لتأمين العمق الاستراتيجي لإسرائيل، وبالتالي فإن المصالحة الخليجية تأتي حُكمًا في إطار الرغبات الإسرائيلية، لمحاولة تحقيق هدفين أساسيين، الأول يتمثل في إنشاء جبهة موحدة ضد طهران وزيادة الضغوط عليها، والآخر في الضغط على النظام الإخوانيّ في قطر لتخفيف أو إنهاء دعمه لحركة المقاومة الإسلاميّة “حماس” في غزة، ذات الإيديولوجيّة نفسها.

جاريد كوشنر صهر الرئيس ترامب والملل لديه، وبذا الوقت عراب صفقاته، يبدو أنه نجح بتعبيد الجسر المعلق ما بين قطر والسعودية، ونجح أيضًا بلجم البعد الوهابي للمشروع السعودي، وكذا البعد الإخواني في المشروع القطري، وما بين هذا وذاك فقد تمكن كوشنر من رأب الصدع الإيديولوجي ما بين الدولتين، ريثما تتضح معالم المشروع الجديد للإدارة الأمريكية أولا، وفي جانب أخر تبقى هذه الخطوات في رصيد ترامب إلى عام 2024 ريثما يُعيد ترامب ترشيح نفسه لزعامة البيت الأبيض، وبالتالي فإن المصالحة الخليجية يمكن وضعها في إطار معقد، انطلاقًا من جزئية التطبيع، وإمكانية تأثير المصالحة على مسار التطبيع بشكل عام، والعلاقات الإسرائيلية الخليجية بشكل خاص.

في جانب موازٍ، قبل أشهر سُربت معلومات لجهة إمكانية إجراء مصالحة خليجية برعاية أمريكية، فضلاً عن الذهاب نحو تركيا أيضاً لذات السبب، المتعلق بإجراء مصالحة خليجية تركية، كل هذا يمكن وضعه في إطار الجهود الأمريكية، الرامية لإنشاء تحالفات جديدة في المنطقة بين عدد من الدول العربية وإسرائيل، مقابل الحلف القطري التركي الذي يقدم الدعم لحركة حماس في قطاع غزة.

قطر وتركيا اللتان تدعمان جماعة الإخوان المسلمين والجماعات المرتبطة بها في عدة دول، لكن في المقابل فإن السعودية ومصر والإمارات صنفوا الإخوان المسلمين منظمة إرهابية؛ هذا الخلاف يُعد جزءًا من صراع خليجي تركي لزعامة العالم الإسلامي، ما يعني أنّ طبيعة الخلاف لا تقتصر على أزمات خليجية أو خلاف حول وجهات نظر متباينة، بل هو أعمق من ذلك بكثير ويمتد ليطال العالم الإسلامي بالكامل.

الأزمة الخليجية اندلعت بعد زيارة أداها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسعودية لحضور القمة العربية الإسلامية الأمريكية في الرياض في مايو/ أيار 2017، وهو ما جعل كثيرين يعتقدون أن ولي العهد محمد بن سلمان هو المسؤول عن إثارة هذه الأزمة. وقد أسهم الدور القيادي الذي اضطلعت به المملكة العربية السعودية في الحرب اليمنية منذ 2015، في ترسيخ نظرة سلبية عن الدور السعودي في المنطقة.

في جانب أخر، فإن إسرائيل لا تُخفي شكوكها لجهة التخوف من تغير سلوك قطر بعد المصالحة والذهاب بعيدا في دعم حماس بالتنسيق مع تركيا، عطفا على إمكانية التأثير في مسار التطبيع واللعب على الوقت المتبقي لـ ترامب في السلطة.

ويرى كثيرون أن الدوحة تلعب دورًا مزدوجًا، حيث تبدو منفتحة على إقامة علاقات مع إسرائيل، وقريبة من جماعات المؤيدة لتل أبيب في واشنطن، لكنها ترعى في الآن ذاته الجماعات الإسلامية الأكثر تطرفا، وليس هناك أي أدلة على أنها تخلّت عن هذا النهج، شأنها في ذلك شأن أنقرة التي تدعم المتطرفين في سوريا، وتثير التوترات في البحر الأبيض المتوسط.

النتيجة، بغض النظر عن نوايا ترامب حيال المصالحة وإمكانية التطبيع الجديد بين قطر وإسرائيل او السعودية وإسرائيل، لكن المصالحة هُيئ لها أن تكون عامل ضغط جديد على إيران وتوجهاتها في المنطقة، ونقول بكل تأكيد أن الأيام القليلة القادمة ستكون حُبلى بالتطورات الجوهرية والتي سترسم مستقبل المنطقة أقله خلال عهد جو بايدن.

*إعلامي خبير في شؤون الشرق الأوسط

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...