ذ. أحمد براو*
كلمة المواطنة بالإيطالية”شيتّادينانسا:Cittadinanza” أصبحت تلوكها العديد من ألسن الجالية المهاجرة في أوروبا وبالأخص في إيطاليا مع دخول حيز التنفيذ حديثا مصطلح قانون “دخل المواطنة” بما يعني: مساعدة مادية للعاطلين عن العمل، وقبل ذلك كانوا يستعملونه فقط للتعبير عن الجنسية فيما ارتبكت المفاهيم المتعددة بحيث يضطر المتحدث للتفريق بينهم بمصطلح “ناسيوناليتا: Nazionalità”
المواطنة من كلمة مواطن وهي تعني الفرد الذي يتمتع بعضوية بلد ما، ويستحق بذلك ما ترتبه تلك العضوية من امتيازات.
وفي معناها السياسي، تُشير المواطنة إلى الحقوق التي تكفلها الدولة لمن يحمل جنسيتها، والإلتزامات التي تفرضها عليه؛ أو قد تعني مشاركة الفرد في أمور وطنه، وما يشعره بالإنتماء إليه. ومن المنظور الإقتصادي الإجتماعي، يُقصد بالمواطنة إشباع الحاجات الأساسية للأفراد، بحيث لا تشغلهم هموم الذات عن أمور الصالح العام، وفضلاً عن التفاف الناس حول مصالح وغايات مشتركة، بما يؤسس للتعاون والتكامل والعمل الجماعي المشترك.
– تثبيت فكرة المواطنة وتطورها عبر التاريخ.
في محاولة لتثبيت فكرة المواطنة التي تكمن وراء التركيز على معياري العلاقات الترابية والعلمانية وكذلك على الروابط القانونية؛ أصبحت هذه المعايير والروابط هي أسس الدولة الحديثة في تحديد المعنى الحقيقي للمواطنة والتي تجاوزت الروابط التقليدية كالدين والإثنية إلى الجنسية التي تجمع جميع مواطني هذه الدولة الحديثة وهي بوضوح رابطة قانونية بحيث تتساوى حقوق أفرادها بمجرد امتلاكهم لجنسيتها واعترافهم بدستورها واحتكامهم لفصوله الذي يحدد القواعد الأساسية لشكل الدولة، وشكل الحكم والحكومة في هذه الدولة، وينظم السلطات العامة فيها من حيث التكوين والإختصاص والعلاقات بين السلطات وحدود كل سلطة والواجبات والحقوق الأساسية للأفراد والجماعات ويضع الضمانات لها تجاه السلطة.
وسعى الإنسان عبر مراحله التاريخية من إجل الإنصاف والعدل والمساواة، وقد كان ذلك قبل أن يستقر مصطلح المواطنة أو ما يشابهه من معان في الأدبيات منذ زمن بعيد، فناضل الإنسان من أجل إعادة الإعتراف بكيانه وبحقه في المقدرات والخيرات ومشاركته في اتخاذ القرارات على الدوام.
وعبر قرون ناضل الإنسان حتى تكرست الدولة القومية، والمشاركة السياسية وحكم القانون، وتم إرساء مبدأ المواطنة في دائرة الحضارة الأوروبية. كما أدت تلك التحولات الجذرية إلى انتقال مفهوم المواطنة من المفهوم التقليدي للمواطنة الذي استمد جذوره من الفكر السياسي الإغريقي والروماني وجاء تلبية لحاجة الدولة القومية الحديثة ونضال الشعب فيها، إلى المفهوم المعاصر للمواطنة الذي يستند الى فكر عصر النهضة والتنوير وطروحات حقوق الإنسان والمواطن، والدعوة لأن يكون الشعب مصدر السلطات وبذلك تم ترسخ مبدأ المواطنة واقر كحق ثابت في الحياة السياسية بقيام الثورتين الامريكية والفرنسية, واتسع نطاق ممارسته تدريجيا منذ القرن الثامن عشر حتى يومنا هذا باعتباره احدى الركائز الاساسية للعملية الديمقراطية، ولتحديد المفهوم المعاصر لمبدأ المواطنة
المفهوم المعاصر للمواطنة
تشير دائرة المعارف البريطانية الى (المواطنة بأنها علاقة بين فرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة, وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق في تلك الدولة) , وتؤكد على أن (المواطنة تدل ضمنا على مرتبة من الحرية مع ما يصاحبها من مسؤوليات) وتختم بأنه (على وجه العموم تسبغ على المواطن حقوقا سياسية، مثل حق الإنتخاب وتولي المناصب العامة) . وتذكر موسوعة الكتاب الدولي ان المواطنة هي عضوية كاملة في دولة أو في بعض وحدات، وهذه الموسوعة لا تميز بين المواطنة والجنسية، وتؤكد أن (المواطنين لديهم بعض الحقوق، مثل حق التصويت وحق تولي المناصب العامة. وكذلك عليهم بعض الواجبات، مثل واجب دفع الضرائب والدفاع عن بلدهم) . وتعرف موسوعة كولير الامريكية كلمة المواطنة بأنها (أكثر اشكال العضوية في جماعة سياسية اكتمالا). .
شروط ومقومات مشتركة لمفهوم المواطنة
لابد من وجود الحد الادنى من الشروط التي تسمح لنا بالقول بمراعاة مبدأ المواطنة في دولة ما من عدمه. وتشمل هذه الشروط الى جانب الحقوق القانونية والدستورية وضمانات المشاركة السياسية الفعالة, الحد الادنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تمكن المواطن من التعبير عن رأيه ومصالحه بحرية. بالإضافة الى قناعة فكرية, وقبول نفسي, والتزام سياسي بمبدأ المواطنة. جدير بالتأكيد ان ما يتعلق بالدستور الجوانب المدنية والقانونية والسياسية من حقوق المواطنة وواجباتها ليست كافية للتعبير عن مراعاة مبدأ المواطنة, هذا بالرغم من كونها ابعادا لازمة. فإلى جانب ذلك هناك ايضا الحقوق الاجتماعية والاقتصادية التي لا يمكن ممارسة مبدأ المواطنة على ارض الواقع دون توفير حد ادنى من هذه الحقوق والضمانات للمواطن حتى يكون للمواطنة معنى.
وعندما يتحقق انتماء المواطن وبالتالي ولاءه في دولة ما, تنتقل المواطنة من كونها مجرد توافق او ترتيب سياسي تعكسه نصوص قانونية, لتصبح المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات قيمة اجتماعية وممارسة سلوكية يعبر اداءها من قبل المواطنين عن نضج ثقافي وادراك حقيقي لفضيلة معاملة جميع المواطنين على قدم المساواة دون تمييز بينهم بسبب الدين والمذهب والعرق أو الجنس.
– واجبات المواطن تجاه الوطن والمواطنين
يُعرّف علماء القانون الواجب بأنّه التزام قد يكون ذا طبيعةٍ “قانونيّة: Legale” أو أخلاقيّة: Civica”، وهو اللفظ المُقابل للحقوق التي يَحظى بها مواطنو الدولة، والذي يدلّ على الأخلاق والقوانين التي يجب على المُواطن الالتزام بها داخل المجتمع: الوفاء والإخلاص للوطن ومَحبّة المواطنين جميعاً سواء اتفقوا معاً أم اختلفوا، بمَوجب ما يتمتّعون به من خَيرات مُشتركة، وما يتعرّضون له من خَطر يُهدّدهم جميعاً، وبما يَجعل الوَطن لكلّ المواطنين والمُساهمة في خِدمة المجتمع المحلي من خلال المشاركة المبادرات التي تُعنى بنظافته وإعماره ونمائه وتحقيق التكافل الإجتماعي والتضامن.
الحفاظ على أمن الدولة وكف الأذى عن دِماء المواطنين وأعراضهم وأموالهم، والإستعداد للتضحية بالأموال والأرواح في سبيل الدفاع عن الوطن واحترام القوانين وعدم مخالفتها، والدعوة إلى تَطبيقها ومجابهة كلّ من يخالفها، ممّا يَنتج عنه حفظ المجتمع من الفوضى والتخريب، الإهتمام والإطّلاع على القضايا المؤثّرة في المجتمع، عدم التهرب من الضرائب والرسوم، العمل على بناء الوطن ورفعته كل حسب ما يمتلكه من علم وخبرة ومعرفة، المُشاركة في قضايا المجتمع والدفاع عنها، واجب حماية الحريّات والدفاع عنها، وحماية ممتلكات الدولة ومرافقها العامة وعدم تدميرها وكذلك أداء الخدمات كالخدمة العسكرية.
والنصيحة للمسؤولين وأولي الأمر بما فيه صلاح الدولة واستقامتها والمُشاركة والتصويت في الانتخابات واختيار أنسب وأكفأ الممثلين لإدارة الصالح العام.





