استثمارات السَّراب الإسبانية في الصحراء المغربية إبان احتلالها

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*الدكتور شنفار عبدالله

 

من يكذب!؟ هل التاريخ!؟ أم الجغرافيا من الشجر والطير والحجر!؟ أم أعداء الوطن من البشر!؟
مرافعة جديدة دفاعًا عن قضية الصحراء المغربية؛ من خلال مقاربة ما خلفته إسبانيا من (حضارة) يمكن أن تذكر هناك؛ والتي لا تتطلب الكثير من الكلمات والمفردات والجمل من أجل إحصائها؛ وإلا فالأمر لا يعدو سوى مجرد حشو وتكرار وإطناب وأسلوب مبتذل.

لماذا لا نستطيع صنع “الهالة” الحضارية حول قضايانا الوطنية؟
شعوب وأمم أخرى تستطيع أن تجعل حتى من سروال (الدجين) الممزق مركزية حضارية هائلة جدًا؛ في حين نحن عحزنا عن فعل قوة دافعة للسروال (القندريسي)!
حينما نقول في تَمْغَرْبِيتْ: (بلاد الشيح والريح مولاها ما يريح!) ليس المقصود بالشيح (Armoise) مزايا العشبة كنبات سهلي ذو الرائحة الطيبة النفاذة؛ العلاجية والتي تدخل في استعمالاتها مختلف مكونات الأدوية في علاج الجهاز الهضمي وغيره.
ولا نقصد بذلك فوائد الرياح اللواقح التي جاء توصيفها في القرآن الكريم: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ.}
ولا حتى رمال وادي الذهب) التي هي عبارة عن كثبان رملية تتنقل عبر المحيط الأطلسي على طول السواحل المغربية الجنوبية؛ ولا يروق لها الاستقرار والمبيت؛ إلا بالأراضي المغربية؛ بحيث حتى التي يتم نقلها لسواحل إسبانيا عبر السفن؛ تعود بإدن ربها إلى الشواطيئ المغربية.

المقصود (بالشيح والريح)؛ هو سراب الاستثمارات التي تركتها إسبانيا بعد احتلالها الصحراء المغربية لحوالي قرن من الزمن. السراب الذي وصفه الله عز وجل في محكم آياته: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَه وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ.﴾
فماذا تركت إسبانيا من بنيات تحتية وفوقية وحضارية بالصحراء المغربية؛ بعد مغادرتها سنة 1975؛ وأواخر سنة 1985؛ نهاية استغلالها ونهبها لفوسفاط (بوكراع) وصيد السمك؛ بموجب اتفاق مغربي إسباني؟

* على مستوى البنيات التحتية:
إن كان في الصحراء المغربية ما تفخر به إسبانيا؛ فإن فيها تشابولات عبارة عن بناء يشبه (النوالة) المبنية بالقصب أو جريد النخيل؛ لإيواء عناصر العسكر الإسباني؛ وحانة ومطعم لتناول الخمرة من طرف جنودها؛ التي لازالت شاهدة لحد الآن على ما خلفته إسبانيا من حضارة هناك؛ وقد أحسنت السلطات المغربية صنعًا؛ في إدخالها في مخلفات حفظ الذاكرة التاريخية كمشاهد لمعالم الجريمة؛ قد تحتاجها الأجيال القادمة كحجة للمطالبة بجبر الضرر والتعويض عما اقترفه المحتل من اغتصاب للأرض؛ أو على الأقل الاعتراف بما اقترفته من اغتصاب واعتداءات، لشعوب وأمم من خلال الاستقواء والاستعلاء البشري؛ جراء تواجد المحتل الإسباني هناك.

فلا وجود لمرسى لرسو السفن أو البواخر أو حتى قوارب الصيد البحري، أو حتى السفن الشراعية؛ حيث كانت تنقل السلع والبضائع إلى السفن التي تبقى راسية برسو البحر (mouillage) على بعد حوالي 5 كيلومترات من اليابسة لمدينة المرسى؛( التسمية حاليًا)؛ من وإلى مستودعات في ملكية (خوسي) و(فيرلاندو) و(بروسو) وأهل (الدرهم فيضول)؛ من الرصيف (wharf); (Le Quai de débarquement, et d’embarquement) لتهريب الفوسفاط؛ على متن دبابات (بانزر) أو الفأر بالألمانية: (Panzer VIII Maus)‏، وهي مركبة قتال مدرعة عملاقة، تعتبر الدبابة الأثقل في تاريخ المركبات الحربية التي تمشي في البر والبحر؛ بوزن يصل إلى 188 طن! والاي زود (هتلر) رفيقه الجنرال (فرانكو) بترسانة منها. وأحيانًا تنقلب في البحر ويموت كل من عليها من بشر وتغرق السلع والبضائع والحجر وتراب الفوسفاط والرمال وكل شيء.
أما بخصوص المطارات؛ فقد خلفت وراءها اسبانبا مدرجًا عبارة عن أرض من التربة المستوية لهبوط طائرات ذلك العهد من طراز تقليدي التي استعملتها في رش ساكنة الريف بالمبيدات السامة وبالسلاح الكيماوي.

فعلى مستوى البنية التحتية؛ لا شيء يستحق الذكر؛ فلا وجود لطرق أو مسالك طرقية معبدة؛ أو قناطر أو منشآتٍ فنية؛ ولا وجود لتجمعات سكانية؛ ولا وجود لمعامل أو مصانع إطلاقًا وأبدًا.
صحيح هناك مكتب شؤون الأهالي لتوثيق الولادات والوفيات والإحصائيات والانخراط في الجندية؛ والسخرة لشق الطرق والمسالك الغير المعبدة للمركبات العسكرية الإسبانية.

* أما على مستوى البنية الفوقية:
فلا شيء يستحق الذكر؛ وحتى الثلاث مدارس المبنية بالمفكك من الحديد أو ما يسمى حجرات التعبئة التي عبارة عن براريك من الحديد؛ فكانت تخصص لتدريس أبناء المقيمين من عناصر الجيش الإسباني.
في السمارة كان هناك مستوصف صغير جدًا للحقن والعلاجات بالدواء الأحمر ومرهم أصفر لعلاج العيون.
أما في طرفاية؛ ونفس الشيء بالنسبة للداخلة وبوجدور والعيون وتاروما وفم الوادي والطنطان؛ مجرد تسميات؛ ولا وجود إلا للحجر والتراب والأرض الجرداء الخلاء؛ حيث عرف عن ساكنة تلك المناطق الترحال والتنقل والخيام من الشعر والوبر؛ للبحث عن نفط الماء والكلأ نواحي إقليم طاطا وزاكورة وغيرها من باقي المناطق المغربية الأخرى وما يترتب عن حياة الترحال من صراعات حول أراضي الرعي؛ لازالت مشاكلها لحد الساعة.
لذلك نفهم لماذا يرفض قطاع الطرق من مرتزقة البوليساريو ومن يحميها ويدعمها؛ خوض الاستفتاء في الصحراء المغربية وإحصاء ساكنة تيندوف من الفقراء.

فهناك حقائق لا يعرفها إلا النذر القليل من الناس حول قضية الصحراء.
فعبر التاريخ الممتد على عهد السيبة حتى اندلاع الحرب سنة 1975؛ تعرض المثلث الذي يشمل مناطق: تيندوف والرشيدية وزاكورة وطاطا؛ خاصة فم الحصن وأقا وفم زگيد… وغيرها من مناطق الجنوب الشرقي؛ لهجمات وحرْكاتْ الغزاة وقطاع الطرق واللصوص؛ بحيث كلما استقووا؛ يهجمون على مناطق مجاورة ويخطفون النساء والأطفال وينهبون الممتلكات والسلع والبضائع ومختلف صور السطو والاختطاف والاحتجاز القسري و (تَمَخَّارْتْ) وتعني الشفرة وتشفارت؛ أي السرقة تحت التهديد بقوة السلاح؛ ومهاجمة القوافل التجارية (تجارة تبادل الملح والذهب والقماش وغيرها… من المواد والسلع والبضائع) المتوجهة نحو موريتانيا ومالي وشنكيط ونواكشوط والصومال والنيجر والسودان وغيرها من مناطق الساحل الصحراء والقرن الإفريقي؛ عبر الجنوب الشرقي للمملكة. (طريق الحرير) التي كان بعض اليهود يفرضون ضرائب ورسوم وإتاوات؛ مقابل الزطاطة أو تزطات؛ وتأمين رحلات وتنقل القوافل التجارية والأشخاص والسلع والبضائع. (Escorte).
وكانوا يتخذون من الرجال والنساء والأطفال؛ عبيدًا لرعي الغنم والإبل أو الاشتغال في الخيام والبيوت.

نسبة 95 ٪؜ من هؤلاء؛ هم من يشكل مخيمات تيندوف الحالية. يسمون ب (لفقرا) أو الفقراء؛ المستضعفين الذين وقعت عليهم الحكرة والظلم عبر التاريخ؛ أو ما يسمى بالقبائل والأسر والعائلات (المكسورة) أو المهزومة المغلوبة.
لهم ارتباطات عائلية وأسرية لحد الآن بالباقي من المتواجدين بالمناطق المذكورة: (طاطا، فم زكيد، أقا، فم الحصن، الرشيدية، زاكورة، لمحاميد الغزلان، قلعة السراغنة، الرحامنة، وغيرها من المناطق).
وبالتالي هم السكان الأصليين؛ المحتجزين بالقوة من طرف شرذمة تتاجر بمأساتهم.
هنا نفهم لماذا يرفضون إحصاء هؤلاء (لْفقْرا).

للاشارة؛ فظاهرة الرق والعبودية؛ معروفة بالجنوب؛ فموريتانيا معروفة بالعلوم الشرعية؛ ومع ذلك ظاهرة الرق لازالت حاضرة وسائدة بالمجتمع الموريتاني لحد الساعة وبشكل كبير.
سلمنا بأن التاريخ تعرض للحجب والحذف والتمرير والتضخيم والتصرف فيه بالزيادة والنقصان حسب تعاقب الأزمنة والأنظمة والأشخاص، ومستويات رفع المعنويات؛ زمان الانتكاسة؛ أو التبخيس والحط من الآخر زمان الرخاء والازدهار. وكل هذا يمر متخفيًا.

لكن الجغرافيا حينما تتعرض للقطع وللحجب والحذف والتصرف فيها بالزيادة والنقصان على الخرائط والميدان؛ فإن عنصر الحجر والشجر؛ يبقى شاهدًا على كل عمليات أجريت عليها بالنظر للامتداد الطبيعي للتربة والماء والغابة والجبال والوديان.
وباستحضار مقولة اللورد “ساليسبوري”؛ وهو أحد كبار الإمبريالية من القرن الماضي؛ حينما قال: “قمنا بتوزيع قارة إفريقيا على الخريطة وفرقنا الولد عن أخيه وعن أمه وعشيرته التي تأويه؛ وقسمنا الجبال والوديان؛ لم يواجهنا سوى مشكل بسيط؛ هو أنه أبدًا لم تطأ أرجل الرجل الأبيض تلك الأرض.”
من خلال هذا الكلام؛ يمكن فهم الإطار العام لمدى مشروعية قضية الصحراء المغربية.

من خلال النبش في الصحراء المغربية والإنسان والمجال والطبيعة والجغرافيا والتاريخ؛ لفهم مدى مشروعية وشرعية تواجد المغرب وفرض سيادته على أقاليمه الصحراوية الجنوبية الغربية، يجب استحضار التاريخ.
فهل الصحراء كانت أرضًا خلاء؟ من كان يحمي القوافل التجارية المتوجهة من وإلى السودان ونيجيريا وشنكيط ومالي وبلاد الصومال والسودان وغيرها من بلاد القرن الإفريقي والساحل؛ من قطاع الطرق في بلاد السيبة؟ ما سر تواجد قبور بني هلال بجماعة تاروما جنوب مدينة المرسى بالساقية الحمراء التي يبلغ طولها حوالي 6 أمتار؛ والتي تشبه نفس المدافن بجماعة فم زكيد؟

فعبر تاريخ المغرب، ظل السلطان المغربي هو المصدر الفعلي للقرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولكل إنتاج حقوقي وقضائي وزمني وديني وثقافي، وهو المتصرف الأعلى في الدولة وواضع ومحدد للسياسة العامة والعمومية والقطاعية؛ من خلال التعليمات والقرارات والتوجهات والرسائل والظهار في المملكة الشريفة.

نميز تاريخيًا، في التقسيم الترابي للمملكة قبل الحماية، بين مناطق الاستقرار الذي طبع بعض التجمعات التي يمكن أن نطلق عليها مراكز او مناطق أو جهات حضرية، والتي تشكل لحد الآن مظهرا عتيقا يضرب في القدم من حيث التكثيف الحضاري؛ حيث تواجد المخزن او الادارة كضابط لهذا النسق الاجتماعي والاقتصادي والثقافي (كمراكش، وفاس، وإليغ، سوس وغيرها…) وعدم الاستقرار الذي طبع بعض المناطق والتجمعات التي قامت على الترحال، كما هو الشأن بالنسبة للبادية المغربية التي تشمل حيزا كبيرا من الاقاليم الصحراوية وشبه الصحراوية. وعدم الاستقرار الذي يتنافى وحالة التمدن، تلك التي شكلت هدفا “لحركات” السلطان، وما أطلق عليه “ببلاد السيبة” والتي وإن لم تخضع لنظام المخزن، إلا أنها تعترف بالسلطة الروحية والدينية للسلطان ملك المغرب.
هذا، وبسبب نمط العيش وسلوك الساكنة التي خرجت حتى عهد قريب من حياة الترحال وكذا الجغرافيا الطبيعية؛ فإن طبيعة السكن يبقى لها ارتباط بالمجال البيئي والطبيعي للإنسان المغربي.

• تفكك العائلات الممتدة:
حتى وقت قريب كانت العائلة المغربية تتكون على الأقل من 20 فردا فما فوق. حيث يستمر الابناء في العيش مع والدهم حتى بعد الزواج في جو من الدفء العائلي والتضامن والتكامل في التعاون على المعيشة والنفقة.
غير أن هذا التقليد قد تفكك وأصبحت تسود العائلات النسبية؛ حيث ينفرد الأبناء بتكوين أسرة منعزلة عن الاسرة الأم، في البداية يأخذ جزءا من المنزل في انتظار بناء دار يستقل فيها مع زوجته وابنائه.
والسبب يعود بالأساس الى التحولات التي يعرفها المجتمع؛ بالإضافة الى بعض النزاعات التي تقع بين العرائس أو زوجات الابناء أو وقوع ثقل وعبء النفقة على أجد الافراد دون الآخرين…

أولاً: مصطلح عائلة تستخدم للدلالة على التجمع المنزلي، أي مجموع الأشخاص الذين يعيشون على نفقة رجل حام، حيث أن وظيفته هي القيام بأمور العائلة أو النفقة والتكفل والحماية، وتستعمل كلمة دار للدلالة على منزل الجماعة المتقاربة التي تقطنه، أو ما يطلق عليه الأسرة الأبوية.
ثانيًا: نجد ايضا كلمة أخرى تسود بالجنوب الشرقي، مثلا بوادي درعه وهي كلمة “كانون” للدلالة على المكان الذي يطهى فيه الطعام وكذلك على العائلة، ويتم استعمالها كلما تعلق الأمر ببعض الالتزامات أو الحقوق (توزيع مادة معينة، أو واجبات أمام المسجد…).

ثالثًا: مصطلح “خيمة” التي تعني المنزل المصنوع من الوبر، ويسكنه الأب والأم والأطفال غير المتزوجين، كما يمكن أن تشير كلمة “خيمة” إلى الجماعة النسبية وتشمل بالتالي جميع الأفراد المنتمين إلى مؤسس النسب أو الخيمة، سواء كان حيا أو ميتا، وقد تمتد حتى إلى خيام وبيوت الزبناء أو ما يسمى بـ “تانسيفرات” أي الجار والخدم والأتباع.
فالخيمة بجنوب المغرب، وخصوصا المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية، تعتبر بمثابة الخلية الاجتماعية الصغرى، وتعتبر أيضا الإطار الاجتماعي الأول للحياة اليومية للإنسان المترحل، بحيث لا تعتبر مجرد وحدة اقتصادية واجتماعية متميزة، ولكن كذلك تعد وحدة قانونية معترفا بها على المستوى الإيديولوجي مع ضمان حقوق وواجبات الجميع نحو الوحدات الكلية، أي حقوق وواجبات كل عضو تجاه الآخرين حسب السن والجنس.

إن دراسة نظام القرابة والعائلة والقبيلة في المجتمع المغربي؛ يخضع لعناصر عديدة في تحديد أبعاده ومحدداته، بحيث لكي نقوم بعزل الدائم والمستمر في الأحداث والتقاليد والعادات الكثيرة والمتعددة، لابد أن نتوفر على معرفة شاملة حول الأشكال التي كانت ولازالت تأخذها هذه العائلات والقبائل في نظامها القرابي وعلاقاتها الإثنولوجية، خاصة قواعد ومظاهر القرابة والزواج والعائلة، وتعدد الزوجات، والإرث، وأراضي الجموع والتحالف والتضامن العضوي إلى غير ذلك من البنيات التقليدية السائدة لرصد مدى تأثير القرارات والسياسات العامة والعمومية على هذه البنيات المنغلقة.

إلا أن هذا الشكل من النظام القرابي العائلي والقبلي بدأ يعرف نوعا من التفكك بحكم الانفتاح، خاصة بعد وصول الكهرباء والتلفاز والصحون المقعرة وقرار المجلس فك العزلة عن العالم القروي من خلال شق الطرق، والقرارات المتعلقة بالأم والطفل والتعليم، والصحة وغيرها… مما حول هذه العائلات والقبائل إلى جماعات نسبية مستقرة، عوض العائلة النووية أو الممتدة، هذا التفكك شمل علاقات الذكورية الصارمة، حيث كان يستمر الأولاد بعد زواجهم في العيش مع آبائهم وأمهاتهم، إذ كانوا يتعايشون مكونين بيوت العصب الذكوري.

في ظل هذه التحولات؛ وعلى الرغم من المحن التاريخية للاستعمار الاسباني والحماية الفرنسية؛ يجب أن نستحضر هذه الرمزية من الدعاء الصالح للسلطان على المنابر
في المساجد والأضرحة والزوايا والرباطات؛ لأمير المؤمنين؛ بغض النظر عن الموقف السياسي الأيديولوجي للجماعات. مع رفض الخضوع لسلطة فرض الضريبة وما يواكب ذلك من تجاوز وعنف الساهرين على جمع الضرائب لردع محاولات التمرد على عناصر المخزن.
فالمخزن مؤسسة سياسية وسلوك سياسي ونظام اجتماعي وقانونيي ومنظم لحقل المجتمع المدني. فالمخزن قوة “حركات” السلطان وسلوك القواد الكبار.

إن المخزن ليس مجرد وهم، ولكن حقيقة؛ بحيث تحليل الثقافة الشفوية للمواطن المغربي يحيل إلى أن الإدارة والمخزن لا يفترقان في شيء؛ أي مسميان لمعنى واحد. فالمخزن بنية كلاسيكية استبدلت بالإدارة كمفهوم حديث، أي مع تطور الدستورانية؛ أصبح يحتفظ بطابع رمزي في حلة جديدة هي: الإدارة. فالمخزن بالأمس يتعايش مع الحالي، مع فارق في الصورة حيث نجد غيابه في الخطاب الرسمي، ولا وجود له إلا في الثقافة الشفوية والمخيال الاجتماعي، بحيث لا هوية له تماما كالإدارة.

المخزن يحكم، يقنن، يفرض الضريبة… إلى غير ذلك؛ فهو إجمالا الإدارة وليس بدولة موازية او تفوق الدولة في شيء. وبناء على هذه المعطيات؛ فإن محكمة العدل الدولية وهي تنظر الرأي الاستشاري في قضية الصحراء المغربية، ربطت بين الولاء للسلطان أمير المؤمنين، ووجود السلطة السياسية، أي وجود إدارة، حدود جغرافية، وسكان يبايعون ملك البلاد. ويدعون له بالدعاء الصالح وعقد الولاء والبيعة.
وبالتالي الروابط الروحية والتاريخية لملك وشعب يسكن بالمناطق الجنوبية الغربية للبلاد كما هو الشأن للامتدادات الجغرافية للمملكة الشريفة.
هذه الروابط بين ملك وشعب والتي لا تزال متجذرة الى حد الآن في نفوس المواطنات والمواطنين المغاربة بالأقاليم الجنوبية؛ هي الثوابت الأساسية والجوهرية في الاستمرارية والشرعية والمشروعية.
فمن يكذب إذن!؟ هل التاريخ!؟ أم الجغرافيا!؟ أم أعداء هذا الوطن!؟
الجواب يكمن في إن: البشر والشجر والحجر يشهد بمغربية الصحراء!
فمن خلال هذا الجرد للمجال والإنسان والارتباط التاريخي؛ من أراد الرحيل أو المطالبة بالانفصال؛ ليس بالضرورة أن يحمل ولو حبة رمل في كعب رجليه من تراب المملكة المغربية الشريفة الممتدة من طنجة إلى لكويرة.
_____
* كاتب وراصد ومفكر ومحلل مغربي

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...