محمد أبو تريكة يحيي ما هو مدفون!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

خلدون الشيخ

 

أثارت تصريحات أسطورة الكرة المصرية السابق محمد أبو تريكة موجة من الجدل بعد تعليقه الناري على حملات الدوري الإنكليزي (البريميرليغ) لدعم المثليين، عبر ترويج ألوان «قوس قزح» المعبرة عنهم، وهو ما أثار جدلاً واسعاً.
الجميع في عالمنا العربي بات يناقش هذا التعليق، ما بين مؤيد ورافض، بل هناك الشريحة الكبيرة المنقسمة ما بين التي تعرف ما ترمز اليها هذه الألوان وغير مكترثة بها، والتي أنا من بينها، وبين من لا يعرف ما تعني وبات اليوم يعرف أكثر كون هذه التصريحات ألقت الضوء عليها، أي أن النجم السابق والمحلل الحالي للقناة الرياضية صاحبة الشعبية الاولى في عالمنا العربي روج لها من دون أن يحتسب، بل أحيا ما هو مدفون وغير معروف وجعله مادة دسمة.

لا شك في أن أبو تريكة يمثل القلب النابض واللسان الحر الجريء في دفاعه عن كثير من قضايانا، وعلى رأسها قضية فلسطين وغزة وحقوق المسلمين حول العالم، وله مكانة كبيرة عند شريحة هائلة من الشعب العربي، ورغم اتفاقي مع كثير مما يطرحه ويدافع عنه بعيدا عن تحليله في عالم كرة القدم، الا ان هذه المرة سأختلف في أكثر من زاوية في هذا الامر، فقط للايضاح وليس لجدل أخلاقي عن شيء مرفوض في مجتمعاتنا. بداية رابطة الدوري الانكليزي الممتاز قررت السماح بارتداء الشارات وربطات الأحذية التي تحمل هذه الألوان، من ضمن العقلية الغربية في حماية حقوق الجميع، بينهم مثليو الجنس، ضمن برنامج العدل والمساواة للجميع، بينهم اصحاب الاعراق المختلفة، كالسود والآسيويين، ولهذا سمحت أيضاً منذ الموسم الماضي، ان يجث اللاعبون على ركبهم قبل اطلاق صافرة بدء المباريات تضامنا مع حركة «حياة السود مهمة». ومن هذا المنطلق الغربي، فان فكرة شارات قوس قزح التي ظهرت فقط خلال الجولتين الـ13 والـ14 من المسابقة وكان ارتداؤها اختياريا بين اللاعبين، لا تدعو الى الانضمام الى هذه الجماعات ومشاركتها أفكارها، بل هي لحماية لاعبين وجماهير، وربما مدربين، يصنفون بين هؤلاء المثليين، خصوصا ان الاعتقاد السائد ان هناك المئات، وربما الآلاف من اللاعبين حول العالم، هم من المثليين جنسياً، ويخشون على حياتهم اذا باحوا بميولهم الحقيقية. أي أن الحدث ليس لترويج الفكرة بقدر ما هو لحماية هؤلاء، الذين أصلا يتعرضون لمضايقات وشتائم ولعن من الجماهير الأوروبية.

استغربت جداً حديث أبو تريكة عندما قال بحرارة: «نتحدث عن أقوى دوري بالعالم في الناحية الفنية، لكن نتحدث عن ظاهرة الشذوذ الجنسي ولا تناسب ديننا وعقيدتنا. وطالما المباريات الرياضية تدخل هذه البيوت، فدورنا التصدي لهذه الظاهرة التي تحاربها كل الأديان». وشدد على أن هذه «الظاهرة خطيرة وفجة وليست لها علاقة بحقوق الإنسان، لأنها عكس فطرته». حسناً، هو أكثر من تحدث عنها في الأيام الاخيرة، رغم ان كيف لها أن تكون ظاهرة وهي موجودة منذ الأزل؟ مثلما ذكر هو أمثلة على قدمها بسورة هود عن قوم لوط في القرآن الكريم، أي انها ليست ظاهرة، لانها ليست اختياراً في كثير من الأحيان، بل الغريب انها موجودة وبكثرة في بلداننا العربية والاسلامية، لكن نحن نختار ان نغمض أعيننا، لانها ليست مثل اختيار تعاطي المخدرات او شرب الخمر، هي جزء من تركيبة الانسان. بل لو كان الدوري الانكليزي يروج لأمر مبتدع ويشجع الناس على ممارسته وهو جديد على البشرية لكنه يخالف تعاليم ديننا وعقديتنا، لطالبت مثل نجمنا الحبيب أن نقاطع مباريات البريميرليغ والتصدي للفكرة. ولو نجح ابو تريكة في ذكر دولة واحدة، أو مجتمع او حي، حتى لو كان من أشد المحافظين والملتزمين اخلاقيا ودينياً وفشل في ايجاد اي حالة للمثلية فيها، سأكون معه. مثلما استغرب دعوته اللاعبين المسلمين بالدوري الإنكليزي إلى التصدي للفكرة، ولا أعلم كيف سيحصل ذلك.

أحيي شجاعة أبو تريكة وغيرته على دينه وعروبته، وحقاً أرفع رأسي به، خصوصا بمواقفه في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، لكن ربما هذه المرة اختلف معه، والأكثر من ذلك انه أصابني بالحيرة، لأنه روج لشيء مدفون ما كان يجب أن يعطيه هذه الأهمية، كونه أثار اهتمام صغار المشجعين قبل الكبار في عالمنا عن هذا الأمر مثلما أفعل انا الآن في هذا المقال، لكن المحير أكثر بالنسبة لي، أن أبو تريكة له سنوات يحلل مباريات الكرة الانكليزية ويرى الاعلانات حول الملعب التي تروج للخمور ولمكاتب المراهنات والقمار على الانترنت، ولم ترف له عين، بل لم يعتبرها من الموبقات والتي تخالف شريعتنا الاسلامية والتي تدخل بيوتنا عبر كرة القدم!

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...