بقلم زيد عيسى العتوم
بالكاد أستطيع أن أسمح لضوء الصباح أن ينتصر على أجفاني الراكعة, ورغم السجال الدائر بينهم تبقى النتيجة غارقة في لذّة النوم, تلك اللذّة التي تحملني دون إرادتي للتيه في عذوبة الكون المترامي, أكون فيها صانع الايام ومنشىء الاحلام, فارس الليل وقائد النهار, أجوب البحار وأعتلي الاقمار, أرى الأخيار والأشرار وأمسك بيديّ قطعاً مبعثرة من الأطياف والأقدار, ولولا أن النوم الأبديّ يُسمى الموت لكان قبلة الحالمين وراحة الطامحين, وعلى حين غِرّة تتلبد السماء وتنقلب الموازين, ويأتي المدد المدجج بسهام الصحوة لقهر أطراف الغفوة, ويتعالى صوت المنبّه الصائح بالقرب من جسدي الراكد, وتتعاظم سطوة ذلك النعّاق الرابض على مرمى من عيوني المنهزمة, حينها أدركت وصولي لنقطة اللاعودة, وطأطأت رأسي لحقيقة اللا رجوع, وأفقت من سباتي أمام نهاية اللا مفرّ, فأطبقت بقبضتي على هامته راجياً صمته, منتصراً لنفسي وما كانت تهواه, ومعلناً خسارتي وانصياعي في حضرته البغيضة.
وقفت كطفلٍ يترنح عند مشيته الاولى, أو كساقٍ نحيلة لا تقوى على إسناد اوراقها التي تصارع رياح البحر, أزحت الستارة الصفراء عن نافذتي المطلّة من طابقها الرابع, لم تفلح يدي اليمنى في كسر التثاؤب المتسلل الى فمي, أحسست أن جزئه العلويّ سيلطم سقف غرفتي على خدّه الواسع, نظرت الى الجهة المقابلة لمنزلي المرتفع, لم تكن تلك المرّة الأولى التي أسترق فيها النظر خلسة الى ذلك البيت الجميل ذي النوافذ الرمادية اللامعة, فقد كانت تلك عادتي منذ أن حط ساكنوه الجدد رحالهم فيه قبل بضعة أشهر, لم أكن لألوم نفسي على فعلتي المتكررة تلك, فما ذنبي إن اعتلى بيتي ذلك البيت المتمسمر على مرمى بصري, أو ربما أقنعت نفسي بذلك لأشَرعِن لفضولي غايته, كنت أرى رجلاً داكن البشرة مستدير الوجه في العقد الثالث من عمره, وامرأة تقاربه العمر لا بد وأنها زوجته, كانت أغلب جلساتهم في حديقة بيتهم الجميلة, ومن كثرة ما أصادف رؤيتهم أصبحت افتقدهم إن لم أشاهدهم, وأسأل نفسي عنهم عند غيبتهم, لكنّ الملفت في الأمر أن أسوار بيتهم قد كانت شاهقة الارتفاع, ومغطاة بالنباتات الخضراء التي تعانق الأسوار وتحتويها, لدرجة أنني لم أتمكن سوى من رؤية ما فوق أكتافهم, لقد كانوا بالنسبة لي قصة يومي التي أبطالها زوج من الرؤوس مجهولة الأسماء, وزوج من الأجساد غائرة الهوية, أراهم كثيراً ولا أظنهم قد رأوني ولو مرة واحدة.
لقد كنت أغبط ذلك الرجل في كل مرة أرقبه فيها, فقد تزايدت لديه برأيي نِعم الحياة وعطاياها, فهو يمتلك بيتاً واسعاً ومريحاً, يقضي في ساحته المسيّجة جلّ وقته دون أن يكترث لهموم الدنيا ومشاغلها, مُسرّحُ الشعر حليق الذقن كثير الثياب,تلك التي بالكاد أشاهد اطرافها العلوية الأنيقة, ولو امتدّ أنفي كما فعلت عيوني لشممت عطره الفوّاح, كما ألفتُ شمّ رائحة الشواء العابرة للقيود والحدود من مجلسه, وفي الوقت الذي أنهَمِك فيه مثقلاً ومتسرّعاً لتجهيز نفسي للذهاب للعمل, أراه جالساً مبتسماً يشرب قهوته ويقلّب صفحات جريدة يومه بكل هدوء, أحسبه لا يحتاج العمل رغم صغر سنه بسبب ثرائه واكتفاءه, وعند عودتي كثيراً ما كنت أشاهده يتناول طعامه المنوّع الشهيّ حسب ظني, ويشرب بعده عصير البرتقال وأحياناً الليمون بلونيهما الذين لا يخفيان على أحد, كان كثير التحدّث بهاتفه بينما ضحكاته لا تفارق كلماته ونظراته, قد يرتدي قبّعة من قبّعاته التي لم أعد أتذكر أشكالها وألوانها لكثرتها, ويكتفي بنسيان نظارته السوداء تطوّق شعره في مقدمة رأسه, أما زوجته فهي بالتأكيد متيّمة به, فهي كثيراً ما تلازمه وتشاركه التمتّع بالراحة وتبادل الحديث المحلّى بالابتسامات العريضة, وعند مغادرتهما للمنزل- وهذا قليل الحصول عندما أكون متواجداً- كانت تُفتح تلك البوابة السوداء الثقيلة, وتخرج منها سيارة بيضاء فارهة مظللة النوافذ وبطيئة السرعة, كنت أغبطه على تلك السيارة التي طالما تمنيت اقتناء واحدة مثلها, بل وبنفس لونها المحبب الى قلبي أيضاً, لا بدّ وأن هذا الجار المحظوظ في الدنيا هو من أسعد البشر, فلديه ما يزيد عن حاجته من الراحة والهدوء ورغد العيش, كم أتمنى لو كنت مكانه ولو ليومٍ واحدٍ فقط !.
في أحد الأيام وبينما كنت أقف على حافة الشارع قرب منزلي, أنتظر الحافلة المعتادة التي ستقلّني الى مكان عملي, كانت هبّات من الرياح السريعة تزداد بقوّتها شيئاً فشيئاً, تهزّ ورقةً صغيرة أُمعن النظر فيها وأنا أمسك بها بيدي اليسرى, غافلتني الرياح فاقتادت تلك القصاصة على بساطها الطائر الى الضفة الأخرى من الشارع, أسرعت محاولاً الإمساك بها لحاجتي اليها, اصطدمت القصاصة بتلك البوابة السوداء بلا استئذان, ثم استقرّت بتواضعٍ شديدٍ أمامها مباشرة, شعرت بالرضى وأنا أنحني من فوقها لالتقاطها بعد أن تخلّت عن رعونتها, فجأة أخذت البوابة السوداء تنفتح قربي بدون أي ضجيج يُسمع, انتابني شعور غامض من الرهبة والدهشة, استرقت النظر كعادتي الى فناء ذلك المنزل, ولكن بصورةٍ وهيئةٍ انخفضت عن الأسوارِ والأكتاف, أحسست أن مغارة للخبايا والخفايا ستنفتح لي وحدي, رأيت الرجل يحتسي قهوته بينما سائقه يقترب منه مهرولاً, كان الرجل يجلس على مقعدٍ يستقرّ على زوجٍ من العجلات الصغيرة, يصطفّ خلفها زوجٌ من العجلات الكبيرة, لقد كان الرجل الذي طالما غبطته مبتور الأرجل!!





