في رثاء الأحياء

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

 

*ذ.أدجعي أحمد

 

 

 

يعيش الإنسان في هذه الدنيا عابر سبيل لا غير، تتملكه لحظات حزن، وتنتابه بين الفنة والأخرى مشاعر السعادة والفرح؛ لكنها سرعان ما تزول ويعود لسابق عهده منغمسا في أحزانه ومآسيه التي يتكتم عليها، والتي تكون مخيمة عليه وتكاد تقض مضجع نومه من هولها.
تتسارع الأيام وتمر السنون والشهور والإنسان لا يبالي ولا يكترث لما يدور حوله.

في هذه الدنيا لنا قدر لا يستهان به من التجارب جمعتنا بأصناف من البشر/ الكائنات الحية، منهم من منحنا قسط حب ومنهم من لسعنا بسمِّه ومنهم من مر دون الانتباه لوجودنا سعيا منه للقاء آخرين أفضل منا حالا وأيسر سبلا.

يذهب الذاهبون، ويرحل الراحلون؛ وتسقط أقنعة المزيفين، ولا نجد بجانبنا إلاّ الذين رأووا بداخلنا نورا يشع من وسط الظلام، إلا الذين أخلصوا في حبهم وولائهم لنا. هؤلاء أرادوا أن نكون قدرهم رغم الظلام والسواد الذي يحيط بنا، إنهم محبون مخلصون، بعيدون عن الزيف والتملق فسلام عليهم أينما وجدوا.
لكننا نحن – البشر- مزودون بطاقة سلبية انعكاسية، نرفض كل ما يأتينا، ونبحث عن ما ليس لنا، نترك المخلصين ونعثر على المدنسين، لا ندري حقيقة هذا الأمر أهو غباء منا أم سذاجة؟ والأقرب منه أن يكون وقاحة.

إنّ الله إذا أراد أن يجمع بين قلبين يسخر لذلك كل السبل والطرق، لكن الإنسان يفسد دائما ما يُسِّر له دون أدنى مجهود منه.
يُبْتلى الإنسان بمجموعة من النقم تعترض طريقه، الحياة كلها عقبات وأشواك، يمرض الإنسان، يعتقل… وغيرها، ولا يجدُ من يسأل عنه غير أولئك الناذرون الذين لن يملوا ولن يعييهم السؤال، يبحثون عنك في ظلام الزقاق، في المنام في كل أيامهم يجدون للبحث عنك طريقاً، لا يتعبون، بل لا ينتظرون أو لا يتوقعون منك مقابلا لذلك.

الأيام تمضي مسرعة نحو النهاية، نحو المصير المحتوم بعد أن جمع الله بين شتيتين ما كان ليلتقيا، تبدأ العقبات تتخلل مآلهما، تحملهم الحياة فوق أكتافها لترمي بهم في بحر اللاعودة، بحر أمواجه عالية، ستأسرهم آلهته بلا رحمة ولا شفقة؛ ستمزقهما أطرافا متناثرة، ولم يعد بإمكانهما جمع شتاتهما، لقد فات الآوان، لقد خسرا جزءا من حياتهما العاطفي.
إننا حقا أناس لم نعرف حقيقة الحب إلاّ حين نقف على عتبات المقابر حين نودع موتانا، إلاّ حين نرتشف إكسير الحياة من داخل غرف المستشفيات، وحين نودع أطرافا كانت إلى أجل قريب كانت قطعة من ذواتنا.
البعدُ والنأي يضني الإنسان، ويدمع العين، ويدمي القلوب.
آه كم كان الجواهري صادقا حين قال: قد يقتل الحزن من أحبابه بعدو عنه// فكيف بمن أحبابه فقدوا.
تُغالب الشوق، وتعاندُ الحظ التعيس، لكن لا ملامة بعد اليوم لمن أضناهم الحب، صدق الشاعر حين قال:
وعذلت أهل العشق حتى ذقته // فعجبت كيف يموت من لا يعشق.
وقول آخر: فيا أخا العذل لا تعجل بلائمة علي // فالحب سلطان له الغلب.
ولابد لنا من استحضار شعر كثير عزة الذي ملأ الدنيا ولم يقعدها بذكره إياها، أشعار طافت وجالت كل بقاع العرب فحفظوها وتناقلوها فيما بينهم لما تحمله من جمالية في الأسلوب والتركيب وصدق الإحساس والمشاعر، إذ يقول:
وما كنت قبل عزة أعرف ما البكا // ولا موجعات القلب حتى تولتِ.
هنا يستوقفنا هذا البيت الشعري ونتأمله ونرى مدى تبيان الشاعر الفراغ العاطفي الكبير الذي خلفه رحيل عزة عنه، بحيث كان لا يكترث لوجودها، لكن فقدها جعله تنسكب دموعه وتنهمر لأنه يعلم يقينا أن لا تلاقي بينهما إلاّ في الخيال، وهنا يحضرنا بيت شعري لشاعر {مجنون} آخر، أعياه الأرق وأتعبه السهر دون أن يجد ما يتمناه؛ يقول:
وإني لأستغشي وما بي نعسة // لعل خيالا منك يلقى خياليا.

إنها قمة الوجد وقمة الولع أن تحرم من لقاء المحبوب فتصبح الأماني والطموحات تضمحل دون أن تجد لنفسك خلاصا، فأصبح الشاعر يتهرب من الواقع المرير، القاسي الذي يؤلمه ويعذبه إلى طيف الخيال، فيسرح مخياله بين أحضان محبوته فلا سلطة للمرء على الخيال وقوته.
يعاني الشعراء من فرط الحب، كما يعاني الفلاسفة، والحب لعنته أصابت الفقهاء والحكماء، إنه لا يميز بين أصناف البشر، إنه لعنة تصيب كل كائن حي يتنفس الهواء على هذه الأرض. لكن الشعراء وحدهم من استطاعوا أن يخففوا عن معاناتهم ومآسيهم من خلال تجربة الشعر، ففيه ملاذا لهم وملجأً يختبؤون فيه من ألم الخذلان والوجد.

أما نحن البؤساء، التعساء، سفراء الشقاء إلى يوم الدين فلا رحمة الخيال تسعنا ونخفف من هولنا بالشعر- إننا لا نملك ناصيته- ولا نحن تملكنا حكمة الفلاسفة نتداوى بالحكم ونتعافى من سقم الحب، نحن الذين قُدر لنا أن نرفع راية الحظ التعيس، ونتسابق حول لواء المخذولين.

العبارات كثيرة، والمعاني عديدة، والألسنة أصابها الخرس وأصبحنا عاجزين عن مجابهة سلطة الواقع ومحباته في ديمومته، فلا حول لنا ولا قوة، ولا نملك إلا أن نقول خارت قوانا وانهارت اجسادنا، ونختم بقول الشاعر:

أَمِن آلِ نُعمٍ أَنتَ غادٍ فَمُبكِرُ** غَداةَ غَدٍ أَم رائِحٌ فَمُهَجِّرُ
لِحاجَةِ نَفسٍ لَم تَقُل في جَوابِها **فَتُبلِغَ عُذراً وَالمَقالَةُ تُعذِرُ
تَهيمُ إِلى نُعمٍ فَلا الشَملُ جامِعٌ وَلا** الحَبلُ مَوصولٌ وَلا القَلبُ مُقصِرُ
وَلا قُربُ نُعمٍ إِن دَنَت لك نافعٌ **وَلا نَأيُها يُسلي وَلا أَنتَ تَصبِرُ.

*أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي جهة بني ملال خنيفرة.
طالب باحث بسلك الدكتوراه الخطاب وتكامل المعارف والعلوم جامعة مولاي اسماعيل

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا

شاهد أيضا