*د.الحبيب ناصري
لا أدري لماذا حينما كتبت لفظة رباعيات، تناسلت أمامي صورة أم كلثوم رحمها الله، وهي تهز كيان الجميع على إيقاعات أغنية رباعيات عمر الخيام الشاعر الفارسي . سألت نفسي عن السر الممكن القبض عليه بين فكرة مقالي وأغنية الرباعيات؟. جواب السؤال سيكون وبشكل مغامر في نهاية المقال وبشكل مختزل وحالم.
اعتدنا على إحضار ثلاثيات ورباعيات عديدة، لشرح العديد من الإشكاليات التربوية والتعليمية والتعلمية لفائدة الطلبة الأساتذة أثناء تكوينهم. رباعيات هذا المقال تتحدد في الإدارة التربوية والمدرس والأسرة والمتعلم. أربعة عناصر أساسية لفهم وتطوير ما يجري في منظومتنا التربوية. علينا الوعي بها (بهذه الرباعيات)وتشغيلها وجعل مياه عذبة تتدفق فيما بينها، وإلا، ومهما سطرنا من إصلاح، فلا شيء يتحقق. الحلقة المفقودة في هذه الرباعيات، دور الأسرة، على وجه الخصوص. دور تراجع في ظل أوضاع سوسيوقتصادية تتعلق بطبيعة وظروف الحياة اليوم(البحث عن لقمة العيش). قبل التكنولوجيا والرقميات وسلطة الهاتف المحمول بكل حمولاته، كنا نقول إن الشارع هو من “سرق” تربية الأجيال الجديدة من أسرها. اليوم، الطفل أو المتعلم أو الشاب، وهو داخل بيته أو في قسمه أو في الشارع أو في وسيلة نقل عمومية أو بين أهله وذويه، لكن الذي يوجهه ويسطر له برنامجه اليومي والليلي، هو هاتفه المحمول بكل حمولاته المتعددة.صحيح، فالأسرة حاضرة بقوة في القطاع الخاص لأسباب عديدة، وفي مقدمتها، بعد مادي/مالي حاضر وملحوظ لدى الجميع، في هذا القطاع. وللضرورة المادية والتربوية والتواصلية مع الأسر، تمكن، هذا القطاع الخاص، من تحقيق تراكم تواصلي مع هذه الأسر. برمجة دقيقة توضع لتحقيق تواصل مهم بين المدرسين وأسرهم، طبعًا، وعن طريق تنسيق وحضور الجميع لهذه المؤسسات الخاصة، دون نسيان توظيف هذا القطاع الخاص لكل التكنولوجيات المتوفرة والمجانية في المجمل . تواصل شبه غائب في القطاع العام، حيث لا تستدعى الأسر ربما إلا في حالة شغب أو غياب متكرر وملحوظ لابنها يهدده بالتشطيب عليه. أتذكر حينما كنت اشتغل في التعليم الثانوي في فترة الثمانينيات، أخبرت الحارس العام، بضرورة استدعاء بعض الآباء لتلاميذ كانوا متميزين جدا . تفاجأ الحارس العام لطلبي وضحك. قال لي إنه طلب غريب ولا مذكرة قانونية لدي لاعتمادها في استدعاء هؤلاء الآباء. ضحك وتملص من مهمة اعتبرها غريبة وأكد لي وهو يضحك، أنه سيخبر التلاميذ بنفسه ويشجعهم وطوى ملف طلبي هذا . غياب الأسرة في تتبع أعمال أبنائها، طبعًا له أسباب عديدة ولا يمكن تفصيل القول فيها هنا، لاسيما في ظل تراجع جاذبية سلطة المدرسة في المجتمع، خصوصًا وأن الترقي الاجتماعي لم يعد يصنع بها وفيها، بل أصبح في الغالب يصنع خارجها. التفكير في تقوية حبل العلاقة بين هذا الرباعي، خطوة قوية لتحقيق تعلم مفيد ونافع للمتعلم. صحيح أيضا، أن العديد من جمعيات الأمهات والآباء واولياء أمور المتعلمين، جمعيات نشيطة وتشتغل بشكل ملحوظ، لكن في ظل عدم تعاون وتتبع حقيقي ونوعي من لدن الآباء، لن يتحقق الشيء الكثير. دور الأسرة حلقة حقيقية في هذا الرباعي الذي عليه أن يبنى على الود والمحبة والتيسير لا التعقيد والبحث فقط عن تطبيق القانون وبشكل ميكانيكي غير مؤنسن.الحب، الطريق الوحيد نحو بناء رباعيات تربوية قوية. الحب، بمفهومه الصوفي الوارد في رباعيات الخيام، وصوته يصدح في حنجرة الرائعة والراحلة أم كلثوم وهي تردد :
القلب قد أضناه عشق الجمال
والصدر قد ضاق بما لا يقال
يارب هل يرضيك هذا الضما
والماء ينساب امامي زلال
أعتقد أن الخيط المفقود في كل مكونات هذه الرباعيات التربوية من الممكن القبض عليه إن نحن طهرنا قلوبنا بعشق خيامي/صوفي انساني، وأبعدنا المدرسة عن لوي عنقها لفائدة صراعات وتطاحنات سياسوية، الخ، والتفكير في كيفية جعل الأسر تحضر بشكل نوعي لتتبع أعمال أبنائها .لنتذكر ان مهنة التدريس مهنة إنسانية بامتياز !.
*كاتب مغربي





