إشكالية المادة 65 من القانون التنظيمي رقم 113.14: تضارب المصالح بين القانون والواقع الاجتماعي والتاريخي للجماعات الترابيّة
* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
في سياق الدعوات الملكيّة الساميّة لمراجعة وإعادة النظر في القوانين التنظيميّة المؤطرة للعمليات الانتخابيّة، يبرز سؤال محوري، وهو: هل يمكن للقانون أن يوازن بين حماية الجماعة من تضارب المصالح وبين احترام التراكم التاريخي والاجتماعي الذي تشكّل عليه العلاقات بين الأفراد والجماعات؟
هذه الإشكالية تصبح أكثر وضوحًا عند دراسة المادة 65 من القانون التنظيمي رقم 113.14، التي، رغم وضوح هدفها، تتسم بعمومية حظرها وتأثيراتها المحتملة على المشاركين في الحياة السياسية المحلية.
المادة 65 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، برغم وضوح هدفها في حماية مصالح الجماعة من تضارب المصالح، أصبحت في الممارسة العملية سببًا في عزل مئات المنتخبين من مهامهم، ويظهر أن كثيرًا من هذه الحالات تعود إلى أسباب قد لا تستدعي الحسم بالعزل أو الحرمان من المشاركة في اتخاذ القرار.
هذا الوضع يطرح تساؤلات جوهرية: هل القانون صُمم لحماية الجماعة أم أنه أصبح أداة للحد من مشاركة المنتخبين بناءً على ارتباطات تاريخية أو اجتماعية لا تحقق منفعة مباشرة؟ كيف يمكن الموازنة بين الصرامة القانونية والمرونة الضرورية لتقدير السياقات الواقعية؟
الأمثلة الواقعية، مثل الورثة الذين يرثون عقود كراء رمزية أو برامج سكنية اجتماعية، تشير إلى أن التطبيق الصارم للمادة قد يفضي إلى نتائج عقابية غير عادلة، تعكس جمود النص أكثر من حاجة الجماعة الفعلية. بالتالي، يصبح من الضروري إعادة النظر في المادة 65، سواء من حيث صياغتها أو من حيث آليات تطبيقها، لتفادي حرمان المنتخبين من حقوقهم التاريخية والاجتماعية دون المساس بحماية مصالح الجماعة.
* أولاً: نطاق الحظر القانوني وأثره على الفاعلين المحليين
كيف يمكن للقانون أن يكون صارمًا دون أن يصبح أداة للحرمان من الحقوق الانتخابية أو التقييد التعسفي للحرية الاقتصادية للأفراد؟ المادة 65 تشمل جميع العقود المتعلقة بمصالح الجماعة، من الكراء والاقتناء، مرورًا بصفقات الأشغال والتوريدات، وصولًا إلى عقود الامتياز أو الوكالة، دون أي تمييز بين طبيعة الصفقة أو قيمة المنافع المترتبة عليها.
هذا العموم يطرح تحديًا مزدوجًا: من جهة، يحمي مصالح الجماعة من أي استغلال محتمل؛ ومن جهة أخرى، يعرض الفاعلين المحليين لتقييدات قانونية صارمة على أساس ارتباطات تاريخية قديمة، مثل عقود كراء رمزية أبرمت قبل عقود لدعم سياسات اجتماعية واستقرار الساكنة. هل يصبح الورثة أو الأعضاء الحاليون في المجلس مقيدين تلقائيًا، لمجرد أن عقودًا اجتماعية رمزية تحوم حول ممتلكاتهم؟ وهنا يظهر التوتر بين الحماية القانونية والممارسة الاجتماعية، بين صرامة النص ومرونة الواقع.
* ثانيًا: العقود التاريخية وأسعار الكراء الرمزية
هل يمكننا قراءة العقود التاريخية كصفقات اقتصادية فقط، أم يجب إدراك سياقها الاجتماعي والسياسي؟ العقود الرمزية، التي قد تعود إلى السبعينات أو الثمانينات، لم تكن تهدف إلى تحقيق أرباح للجماعة، بل كانت أدوات لتوطين السكان وإعمار الجماعات المحلية. إن تطبيق الحظر بشكل صارم على هذه العقود يطرح سؤالًا أساسيًا: هل من العدالة أن يُمنع عضو مجلس من المشاركة بسبب امتلاكه أو وراثته لعقد رمزي لم يكن له أي منفعة مالية فعلية؟
يستفاد من هذا التحليل أن المادة 65 في صيغتها الحالية لا تأخذ بعين الاعتبار الوظيفة الاجتماعية للعقود التاريخية، ولا تفصل بين الصفقة التجارية المربحة والصفقة الرمزية التي تُعد جزءًا من سياسة عامة. هل يصبح القانون أداة عقاب أم وسيلة للحماية؟ هذا السؤال يعيدنا إلى قلب الجدل بين النص القانوني والواقع الاجتماعي، ويستدعي مقاربة أكثر دينامية ومرونة.
* ثالثًا: إصلاحات البناء والتملك الواقعي
ماذا عن الأفراد الذين أجروا إصلاحات أو إعادة بناء لممتلكاتهم بموافقة الجماعة؟ هل تُصنف هذه التدخلات ضمن النشاط التجاري الممنوع، أم هي مجرد صيانة للسكن الاجتماعي؟ عدم وجود تمييز بين الإصلاحات التطويرية البسيطة والصفقات الحديثة ذات المكاسب المالية الكبيرة يجعل التطبيق الصارم للمادة يبدو غير واقعي ويثير مخاطر على الفاعلية السياسية الترابيّة.
هذا التساؤل يفتح أفقًا واسعًا لتحليل العلاقة بين الملكية الفعلية للموارد والتصرف القانوني فيها، وهو تحليل لا يقتصر على القراءات الشكلية للنصوص، بل يربط القانون بالممارسة الاجتماعية والتاريخية، ويستحث التفكير في كيفية صياغة نص قانوني يحمي مصالح الجماعة دون التضحية بالعدالة التاريخية.
* رابعًا: الوراثة القانونية للعقود وتداعياتها
هل الورثة الذين أصبحوا أعضاءً في المجلس يقع عليهم الحظر تلقائيًا؟ القانون الحالي صامت حول هذه المسألة، مما قد يؤدي إلى نتائج غير متسقة وغير عادلة. إعادة النظر هنا ليست مجرد تصحيح قانوني، بل تتطلب فهمًا دقيقًا للعلاقات التاريخية والاجتماعية التي تربط الأفراد بالممتلكات الجماعية.
ينبغي التفكير في النص القانوني كأداة متحركة، تتكيف مع انتقال الملكية والظروف التاريخية، لا كحجر صلب يفرض العقاب التاريخي على الورثة. وهنا يظهر السؤال المصيري: هل يمكن صياغة حظر قانوني متوازن، يحمي الجماعة ويعترف بالروابط التاريخية والاجتماعية التي تشكلت عبر عقود من الزمن؟
* خامسًا: ملكية الأرض وأبعادها القانونية والاجتماعية
كيف يمكن للقانون تقييم العقارات المبنية على أراضٍ ليست ملك الجماعة المباشر، مثل ملك الدولة الخاص أو العام، أراضي الجموع، أو ملكيات خاصة؟ الصرامة القانونية في هذه الحالات قد تتحول إلى عقوبة مجحفة، بينما المرونة غير الدقيقة قد تفتح ثغرات لاستغلال المنافع.
هذا التحدي يعكس العلاقة المركبة بين القانون والتاريخ الاجتماعي، ويستدعي آليات تقييم دقيقة تسمح بالتمييز بين العقارات التي تشكل خطر تضارب مصالح حقيقي وتلك التي تحمل طابعًا اجتماعيًا أو تاريخيًا رمزيًا.
* سادسًا: مقاربات إعادة التوازن
ينبغي اعتماد منهجية تمييزية ومرنة في تطبيق المادة، تشمل:
1. تمييز العقود التاريخية والرمزية: استثناء العقود الاجتماعية القديمة من الحظر مع مراعاة سياقها التاريخي والاجتماعي.
2. تحديد النشاط التجاري الحقيقي: حصر الحظر على العقود الحديثة أو ذات القيمة المالية الكبيرة والمنفعة المباشرة للعضو.
3. الاعتبار الوراثي: عدم فرض الحظر التلقائي على الأعضاء الورثة إذا كان العقد اجتماعيًا أو رمزيًا ولا يحقق منفعة مالية إضافية.
4. مرونة التقييم العقاري: تقييم العقارات العامة والخاصة وفق طبيعة العقد والمنفعة الفعلية للعضو، مع مراعاة السياق الاجتماعي والتاريخي.
* سابعًا: رؤية مقترحة لإعادة صياغة المادة 65
1. منع تضارب المصالح: يشمل أي نشاط يؤدي لمنفعة شخصية مباشرة للعضو أو لزوج وأصول وفروعه، مع مراعاة طبيعة النشاط وتاريخه.
2. شمولية العقود والصفقات: يشمل جميع العقود المتعلقة بأملاك الجماعة، مع التمييز بين العقود التاريخية والصفقات الحديثة.
3. استثناء العقود الرمزية والاجتماعية: لا يعتبر العضو في حالة تضارب مصالح فيما يتعلق بالعقود القديمة أو البرامج السكنية الموروثة، شريطة ألا تحقق منفعة مالية مباشرة إضافية.
4. العقود المبنية على ملكيات خاصة أو أراضي الدولة/الجماعات: تخضع لتقييم منفصل لتحديد مدى تأثيرها على مصالح الجماعة.
5. مسؤولية المخالف: تطبق المادة 64 مع مراعاة طبيعة العقد وتاريخه وأثره الاجتماعي والقانوني.
* استنتاجات عامة:
يبقى السؤال المحوري: هل يمكن للقانون أن يحمي مصالح الجماعة دون أن يتحول إلى أداة للعقاب التاريخي ضد الورثة أو الأعضاء بسبب ارتباطهم بعقود اجتماعية رمزية؟ هل من الممكن صياغة نص قانوني يجمع بين العدالة التاريخية والفاعلية القانونية، بحيث يكون الحظر متوازنًا بين حماية الجماعة وتقدير السياقات الاجتماعية والتاريخية؟
إعادة النظر في المادة 65 ليست مجرد تعديل نصي، بل دعوة لإعادة التفكير في العلاقة جدليّة الاعتماد المتبادلة في معادلة القانون والمجتمع وبين النص الصارم والواقع الاجتماعي وبين التضارب القانوني والتمثيل السياسي.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ؛
المفكّر والباحث المغربي المتخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، والناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والأنثروبولوجي والاقتصادي والثقافي والبيئي؛ من مواليد 13 يونيو 1970 بفم زكيد إقليم طاطا؛
يُعد من أبرز الأسماء في المشهد الأكاديمي والثقافي بالمغرب.
– محصل على شهادة الإجازة في الحقوق (تخصص الإدارة الداخليّة)
– ومحصل على شهادتين للدراسات العليا:
1. الأولى في علم السياسة
2. والثانية في علم الإدارة.
– محصل على دبلوم الدراسات العليا في العلوم الإداريّة.
– محصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق
* وذلك كله بكليّة الحقوق بجامعة القاضي عياض بمراكش
* له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته:
* الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000).
* الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)،
* والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).
* الصوفيّة وأدوارها في الأمن المجتمعي: من آليات الضبط التقليدي إلى رهانات الاستئناف الروحي في زمن الأزمات (كتاب جماعي (2025)





