الفتوى بين الوظيفة الشرعيّة وتحديات الجغرافيا السياسيّة: نحو مساءلة منهجيّة للخطاب الديني المعاصر
* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
– حين تتجاوز الفتوى حدودها… هل نحن أمام أزمة اختصاص أم تحوّل في البنية التأويليّة؟
هل ما تزال الفتوى تمثّل، في سياقنا المعاصر، فعلًا إصلاحيًا ينهض بوظيفة التوجيه الشرعي الرشيد؟ أم أنها تحوّلت إلى أداة رمزيّة لتثبيت اصطفافات سياسيّة، والتدخّل في خرائط سياديّة لا تُقاس بموازين الأحكام الفقهيّة التقليديّة؟
هذه الأسئلة لا تنبع من تشكيك في صلاحيّات الخطاب الفقهي، بل من الحاجة إلى تفكيك تحوّلاته في ظل تداخل المعرفي بالسلطوي، وتلاشي الحدود بين الحقل الديني والحقول الجيوسياسيّة المعقدة.
– أولًا: انزياح الفتوى عن وظيفتها الإصلاحيّة: من فقه المعيشة إلى فقه المواقف
1. حين تغيب الأولويات وتُستبدل الحاجات بالرموز: هل تنقلب الفتوى إلى صدى سياسي؟
لماذا يغيب عن الكثير من فتاوى اليوم سؤال التنميّة، وهموم الصحة، ومشكلات الصرف الصحي (حيث تُظهر بيانات اليونيسيف أن أكثر من 20% من سكان الريف والبوادي المغاربيّة لا يتوفرون على مراحيض آمنة)، بينما تُستنزف طاقة الفقيه في الخوض في قضايا ومسائل تتعلّق بمآلات الجغرافيا الدوليّة، أو جدوى الاعتراف الدبلوماسي؟ ألا يدلّ هذا على خلل في سلم الأولويات؟
القول بالقيّم بات مألوفًا، بل مبتذلًا أحيانًا. لكن السؤال الفلسفي الجوهري يظل قائمًا:
– هل القيّم ضرورة وجوديّة تُبقي المجتمع في حالة تماسك واستمراريّة، أم مجرد ترف تحسيني لا يضر غيابه؟هل القيّم تنبثق من الواقع أم تُفرض عليه؟
– ما موقعها من سلم المقاصد: هل هي من الضروريّات، أم الحاجيات، أم التحسينيات؟
لقد أكد علماء المقاصد من الغزالي إلى الطاهر بن عاشور على ضرورة تقديم الضروريّات على التحسينات، والارتباط الوثيق بالواقع المعيش؛ غير أن هذا المسلك يتآكل اليوم أمام اندفاعات الفتوى نحو مساحات رمزيّة أكثر ضجيجًا وأقل نفعًا.
2. من التبيين إلى التعبئة: هل نعيش تسييسًا ناعمًا للخطاب الفقهي؟
الفتوى، في أصلها، فعلٌ تشريعي اجتهادي، لا ينفصل عن شروطه المنهجية: التخصص، إدراك السياق، ومراعاة المآلات. غير أنّ هذه المعايير باتت، في بعض التجارب، مفرغة من محتواها، حيث تتحوّل الفتوى إلى وسيلة تعبئة، أو بطاقة اصطفاف رمزيّ، أو حتى أداة للتفاوض الإعلامي، بدل أن تكون هديًا معرفيًا يُنير دروب المجتمع في تعقيداته اليومية. أليس في ذلك خيانة لوظيفة العالم لا بوصفه رجل دين، بل كمثقف إصلاحي يُفترض أن ينطق بلسان “ما يجب أن يكون” لا “ما يريده الفاعلون الكبار”؟
– ثانيًا: الفقيه في الجغرافيا السياسية: حدود الاجتهاد في فضاءات ليست له
1. من التخصص الفقهي إلى العبور الرمزي للحدود: هل يستطيع الفقيه فهم الدولة؟
من يملك أهلية الحديث في قضايا السيادة، وتحديد شرعية الاعترافات الدولية، أو شرعنة الحدود؟ هل الفقيه المسلح بالنصوص الأصولية، أم الخبير في القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية؟ إن تصريحًا مثل قول أحد كبار العلماء بأن “الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء لا قيمة له شرعيًا” يطرح سؤالًا بالغ الحساسية: هل تمتلك الفتوى أدوات تصوّر دقيقة لخرائط السيادة المعاصرة، في ظل ما تعنيه هذه المفاهيم من تراكم قانوني وتاريخي ورمزي؟ أليست السيادة اليوم تتجاوز مدلول “دار الإسلام” و”دار الحرب” إلى تعقيد الدولة-الأمة والنظام الدولي القائم على القانون والمؤسسات؟
كيف يتعامل الفقيه، إذًا، مع معطى مثل الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية سنة 1975، الذي أقر بروابط بيعة وولاء بين سكان الصحراء والدولة المغربية؟ أليس من الغبن اختزال هذا المعطى في فتوى فردية تفتقر إلى العدّة القانونية والجيوسياسية لفهمه؟
2. هل يملك الفقيه الأدوات اللازمة لتصور النزاعات المعاصرة؟
الحكم على الشيء فرع عن تصوّره؛ فهل الفقيه قادر فعلًا على تصوّرٍ دقيق لقضايا ذات أبعاد متداخلة: تاريخية (البيعة)، قانونية (القانون الدولي)، جيوسياسية (التدخلات الإقليمية)، وأنثروبولوجية (التماسك القبلي في الجنوب الصحراوي)؟ إن اختزال قضية الصحراء -أو سواها- في توصيفات فقهية تقليدية، يُنتج نوعًا من “الجهل المركب” الذي يلبس عباءة المعرفة الشرعيّة، بينما هو منبتّ عن أدوات التخصصات المطلوبة لفهم النزاعات السياديّة.
– ثالثًا: بين فقه الدولة وفقه الجماعة: سؤال المفهوم ومأزق التموقع
1. هل نحتاج إلى إعادة تعريف الفقه السياسي؟
ما هو الفقه المناسب للدولة الوطنيّة؟ هل يجوز استدعاء مفاهيم كـ”دار الكفر” أو “الجهاد السياسي” في سياق دول ما بعد الكولونياليّة؟
إن إصرار بعض الفتاوى على توصيف الخريطة السياسيّة انطلاقًا من تصنيفات ما قبل حديثة، لا يؤدي فقط إلى خلل في الفهم، بل إلى ارتباك في الولاء: هل المسلم ينتمي لوطنه، أم لأمّة عابرة؟ هل الدولة الوطنيّة محترمة أم مؤقتة؟ هل الحدود شرعيّة أم اعتباطيّة؟
هذه الأسئلة ليست نظريّة، بل تمس جوهر العلاقة بين الفقيه والدولة، بين النص والمجال.
2. هل تمتلك الفتوى خطابًا للتماسك الوطني؟
الدولة ليست فقط جهازًا إداريًا، بل وعيًا جماعيًا وحدوديًا. وتكريس هذا الوعي يمر عبر فقه يراعي حساسيّة “الوحدة الترابية”، ولا يُفكّك تماسك المجتمعات لصالح انتماءات أممية مجرّدة أو تصورّات عابرة للحدود.
إن الانفصال بين خطاب الفتوى وخطاب الدولة يُنتج توتّرًا بنيويًا، إذ تُفهم الفتوى، في حالات معيّنة، كأداة تقويضية لا إصلاحيّة، حين تتجاهل السياق العام والوِجدان الوطني، أو تُغذّي سرديات خارجيّة تُعزز الانقسام أو التشكيك في شرعيّة السلطة الترابيّة.
– رابعًا: نحو خطاب فقهي يتجاوز التبسيط: الفتوى كصناعة معرفيّة لا كاستجابة ظرفيّة
1. ما هي الضوابط المنهجيّة لإنتاج فتوى جيوسياسيّة عقلانيّة ورشيدة؟
إن الضوابط التي تقترحها المقاربة التجديديّة في الفقه المعاصر لا تكتفي بالتذكير بالعلم والنية، بل تُطالب بجملة من الشروط التراكمية، منها:
* التكوين المشترك في العلوم الشرعيّة والسياسيّة؛
* إحاطة دقيقة بالسياقات العامة الاجتماعيّة والتاريخيّة؛
* تحرّر نسبي من الاصطفافات الآيديولوجيّة؛
* وعي بالمآلات القانونيّة والدوليّة للفتوى؛
وهنا يُطرح سؤال تأهيليّ: هل الفقيه المعاصر مؤهّل لإصدار فتاوى في قضايا تتقاطع فيها السيادة مع الاقتصاد والحدود مع التاريخ والدين مع الإعلام؟
2. أي خطاب فقهي نحتاجه في زمن أزمة مفهوم الدولة والسيادة؟
هل آن الأوان لإنتاج “فقه المواطنة” الذي يوفّق بين الانتماء العقدي والانتماء الوطني؟ فقهٌ يُدرك أن الولاء للوطن ليس نقيضًا للدين، بل شرطٌ لاستمرار المجتمعات المسلمة في العالم المعاصر؟ وهل يُمكن بناء هذا الخطاب دون إعادة هيكلة مناهج التعليم الديني، وإشراك الفقهاء في حوار حقيقي مع خبراء القانون والسياسة والعلاقات الدولية؟
– خلاصة: الفتوى بين العتبة الشرعيّة والمأزق الزمني: هل من مخرج معرفي؟
تُظهر هذه القراءة أن الأزمة ليست في الفتوى كأداة شرعيّة، بل في آليات توظيفها وانفصالها عن السياقات المتغيرة.
لم تعد الفتوى مجرّد إجابة عن سؤال شرعي، بل باتت خطابًا عامًّا يُؤثر في الأمن الرمزي، في السياسة، وفي شرعيّة الدولة.
والسؤال المصيري هنا: هل نملك الشجاعة لوقف النزيف التأويلي، وتأسيس فقه معاصر يُنقذ الفتوى من التسييس، ويُعيدها إلى رحابها الأصلي بوصفها فعلًا إصلاحيًا، لا موقفًا سلطويًا؟
* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





