اختلال أولويات الخطاب الديني المعاصر بين الفتوى السياديّة وإهمال القضايا المجتمعيّة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* الدكتور عبد الله شنفار

 

 

هل يُعقل أن يعجز الخطاب الديني عن ملامسة حاجات المجتمع المحلي الملموسة، ثم يستسهل القفز إلى قضايا جيوسياسيّة خارجة عن مجاله الحيوي؟ ما الذي يجعل بعض مشايخ العصر، وفي مقدّمتهم الشيخ محمد الحسن ولد الددو، يتجاهلون واقع التهميش البيئي والصحي في مجتمعاتهم، حيث لا تزال بعض المناطق تُعاني من تدبير ظاهرة التبرز في العراء وغياب أبسط شروط الطهارة، ليتفرّغوا بدل ذلك لإصدار فتاوى تتعلّق بقضايا سياديّة تخصّ دولًا مجاورة، كما هو الحال في قضية الصحراء المغربية؟

ليست هذه المفارقة سوى تعبيرٍ عن اختلالٍ عميقٍ في منطق الفتوى وفي هندسة أولويات الخطاب الديني المعاصر، حيث يُستبدل التوجيه الرسالي المرتبط بإصلاح المعاش والمجال، بخطابات رمزية مسيّسة تتدثّر بالدين لتبرير مواقف لا تنتمي إلى دائرة الاختصاص ولا إلى مقتضيات الزمان والمكان.

أولًا: إشكاليّة السياق العام: حين يفتي الفقيه من خارج المجال

ما الذي يُبرّر تدخّل فقيه موريتاني في قضية سيادية تهمّ دولة مغاربية مجاورة؟ وهل يُمكن فصل الفتوى عن سياقها التاريخي والسياسي والثقافي؟ إنّ الشيخ محمد الحسن ولد الددو، مهما بلغ رصيده العلمي، لا ينتمي مؤسّسيًا إلى الحقل الديني المغربي، ولا يُمثّل أي سلطة شرعية داخله. ومن ثَمَّ فإن خوضه في قضية الصحراء المغربية يُثير أكثر من سؤال حول مشروعية الموقع، وحول مدى إدراكه لمركب العلاقة بين البيعة والحدود، بين الجغرافيا والشرعية، بين السيادة والانتماء.

هل نعيش إذًا نوعًا من “العولمة الفقهية غير المؤطرة” التي تتجاوز حدود الدولة والفتوى والمصلحة؟ أم أن الأمر يندرج ضمن منطق التوظيف السياسي للخطاب الديني خارج مجاله الوطني، بما يُهدّد بنزع الطابع السيادي عن القضايا المصيرية، وتحويلها إلى مادة قابلة للمزايدة الدعوية العابرة للحدود؟

ثانيًا: المفاهيم المنزاحة: الفتوى بين الشرعي والسيادي

في هذا السياق، تطرح مسألة الفتوى إشكالية مفهومية مزدوجة: هل تُعدّ الفتوى في القضايا السيادية مجرّد تعبير فقهي؟ أم أنّها تندرج ضمن منطق السلطة والتموقع الجيوسياسي؟ حين يُصرّح الشيخ الددو بأن “الصحراء أرض مسترجعة من مستعمر لا أرض محتلة من مغتصب”، فهو لا يُصدر حكمًا شرعيًا فحسب، بل يُمارس فعلًا سياديًا بلبوس ديني. فهل يحقّ له ذلك؟

هنا يطفو سؤال المآل: هل الفقيه المعاصر واعٍ بحجم التحوّلات التي طرأت على مفهوم الدولة، وحدود الجغرافيا، وشروط الشرعية؟ أم أنّه ما زال حبيس نموذج الدولة-الملكية الإسلامية الكلاسيكية التي لا تعترف بالحدود، ولا بالمجالات السيادية، بل تُقوّم كل شيء بمقياس “الدار” و”الملة”؟

ثالثًا: من فقه الجماعة إلى فقه الدولة: اختلال الوظيفة وتشوّش المرجعيّة

إنّ أحد مظاهر الانزياح في خطاب الفتوى المعاصرة يتمثّل في غلبة “فقه الجماعة” على “فقه الدولة”. فالفقيه، عوض أن يُعيد بناء أدواته المفاهيمية في ضوء الدولة الوطنية الحديثة، يظلّ يُعيد إنتاج خطابٍ يتوجّه إلى “الأمة” لا إلى “المجتمع”، ويتكلّم باسم “الملة” لا باسم “المواطنة”، ويغفل تمامًا محدّدات السيادة الحديثة: الحدود، البيعة، الرمز، ومؤسّسات الدولة.

في هذا الإطار، فإن فتوى الشيخ الددو، وإن كانت لا تحمل عداءً ظاهريًا للوحدة الترابية للمغرب، إلا أنها تُعبّر عن خفّة في التعامل مع مبدأ سيادي، لا يمكن فصله عن السياق التاريخي للمغرب، وعن رمزية البيعة للعرش العلوي، وعن مشروعية نضال المغاربة في استرجاع أقاليمهم الجنوبية.

فهل يمكن اعتبار الفتوى التي تُطلق من خارج المجال، وبدون فهم تاريخي وسياسي للمجال، اجتهادًا مشروعًا؟ أم أنّها تُحوّل الدين إلى أداة تدخل رمزي في هندسة الجغرافيا السياسية للدول، بما يُهدّد استقرارها ورمزيتها ووحدتها؟

رابعًا: المسئوليّة المعرفيّة للفقيه: بين التوجيه والإثارة

ليست كل فتوى اجتهادًا، ولا كل اجتهادٍ إصلاحًا. إن مسؤولية الفقيه اليوم تتجاوز مجرّد التصدّي للسؤال، لتشمل فهمًا دقيقًا للواقع، إدراكًا مركبًا للمآلات، وتحفّظًا أخلاقيًا على الانخراط في القضايا الكبرى دون تفويض أو معرفة سياقية. وفي هذا الصدد، فإن التحذير من “الفتوى الإثارية” لا ينبع من معاداة حرية التعبير، بل من الإيمان بأنّ وظيفة الفقيه هي التوجيه لا التشويش، الإصلاح لا الإثارة، المداواة لا الاستفزاز.

فلماذا يُستساغ عند بعض المشايخ التبرّع بإصدار فتاوى في قضايا جيوسياسيّة شديدة التعقيد، بينما يُهملون قضايا أساسيّة في مجتمعاتهم مثل النظافة والكرامة الوُجُديّة للإنسان والعدالة ومحاربة الفقر والهشاشة والجوع والمرض؟ ألا يُعبر ذلك عن انفصال بين المرجعيّة والواقع؟ بين الشريعة والمصلحة؟ بين الواجب الديني والوعي السياسي؟

خامسًا: نحو فتوى مسؤولة: من التبجّح الرمزيّ إلى الإصلاح السياقي

المطلوب اليوم ليس إسكات الفقيه، بل استدعاؤه إلى وعي مركّب بموقعه، وتاريخ مجاله، ومحدوديّة اختصاصه، وخطورة التداخل بين الفتوى والتدخل. فكما لا يُفتي الطبيب في القوانين، ولا يُشرّع القاضي في الطب، لا ينبغي للفقيه أن يخوض في قضايا سيادية خارج اختصاصه الزماني والمجالي.

إنّ إصلاح الفتوى لا يتمّ فقط عبر ضبط شروط المجتهد، بل بإعادة التفكير في أولويّات الخطاب الديني نفسه: كيف نعيد وصل الفتوى بالمعاش اليومي؟ كيف نجعلها أداة إصلاح لا تصفية حسابات؟ وكيف نحرّرها من التوظيفات السياسيّة التي تُفرغها من بعدها الشرعي وتحوّلها إلى صدى لخلفيّات غير مُصرّح بها؟

سادسًا: خاتمة مفتوحة: ما الفتوى التي نحتاجها؟

في زمنٍ تتداخل فيه الحدود بين الدين والسياسة، وتُوظَّف الفتوى كأداة رمزيّة في معارك سياديّة، يبدو سؤال “أي فتوى نحتاج؟” أكثر إلحاحًا من سؤال “ما هي الفتوى الصحيحة؟”

فهل نريد فقيهًا يُواسي الفقير والمهمّش ويُعلّم الناس كيفيّة الوضوء في العراء والهواء الطلق، ويُحرّرهم من جهل الواقع؟ أم نريد فقيهًا يُدلي برأيه في خرائط بلد لم يرها، وفي حدود لم يعرفها، وفي نزاعات لا يفهم جذورها؟

تلك هي المعضلة. وتلك هي دعوة التأمل

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...