البرلمان بين المنصّة والحلبة: حين تتحوّل إدارة الخلاف وتدبير الاختلاف إلى مبارزةٍ بالكلام..!
* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
هل سنشهد نسخة مغربية أصيلة من طراز تلك المناوشات الكلامية التي صنعت شهرة سجالات جورجيا ميلوني وإيمانويل ماكرون؟ أم سنعود إلى زمن فنّ النقائض بين جرير والفرزدق؛ صاحبي أشهر خصومة وأطول حرب هجاء شعري في تاريخ الأدب العربي خلال العصر الأموي؛ حين كانت الكلمة نفسها سلاحًا والبيت الشعري يمكن أن يكون بمثابة ضربة سياسية كاملة الأركان؟
وهل ستتحفنا القناة الأولى كما عودتنا بنقل مداخلة السيدة رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري من قبة البرلمان في جلسة الأسئلة الشهرية لمساءلة رئيس الحكومة؛ وهي تدخل إلى «حلبة» النقاش لتجعل المعارضة تعيد ترتيب أوراقها قبل أن تبحث عن «نقطة نظام» للنجاة؟
فقد اعتدنا أن تأتي الحكومة إلى البرلمان لتجيب عن أسئلة المعارضة. لكن ماذا لو جاءت رئيسة الحكومة هذه المرة وهي تحمل في جعبتها أسئلةً مضادة وأجوبةً جاهزة قبل أن تكتمل أسئلة المعارضة؟
عندها قد يحدث التحول الطريف: من مساءلة الحكومة إلى ما يشبه درسًا تطبيقيًا في فن الرد السياسي!
وبين ميلوني وماكرون مسافة جغرافية وسياسية لا شك فيها؛ وبين جرير والفرزدق قرون من الشعر والمنافسة. أما المسافة بين «المنصة الحكومية» و«حلبة البرلمان»… فقد تختصرها مداخلة واحدة تحت القبة..!
لذلك يُنصح ألا تنسى القناة الأولى أن ترفع مستوى الصوت قليلًا؛ فقد لا تحتاج المعارضة هذه المرة إلى «حق الرد» بقدر ما قد تحتاج أولًا إلى أن تسمع جيدًا ما قيل..!
فمن حسنات القناة التلفزيونية الأولى أنها تنقل للمشاهد أجواء جلسات البرلمان؛ تلك الجلسات التي تكشف، منذ عهد الاستقلال إلى اليوم، أن ممثلي الأمة لم ينجحوا دائمًا في احتواء النقاشات والخلافات والمشاحنات السياسية داخل القبة؛ مع أن إدارة الاختلاف وتدبير الخلاف هما في صميم الوظيفة البرلمانية ولبّ العمل السياسي.
وهي عقدة مزمنة لم تستطع النخبة السياسية التخلص منها على امتداد عقود طويلة. ومن حسناتها أيضًا أنها تكشف، بوضوح مؤلم، مقدار الضيق الفكري الذي يمكن أن يحتل بعض العقول؛ وربما يكاد أحيانًا يضاهي مساحة اليابسة على سطح الأرض..!
فحين يعجز المنتخبون عن إدارة خلافاتهم داخل فضاء يفترض فيه التعايش وحسن الإنصات واحترام قواعد النقاش، ندرك أن المشكلة قد تكون أعمق من مجرد سوء تدبير أو ضعف في الكفاءة؛ إنها تمس الثقافة السياسية نفسها.
وحسن الإصغاء ليس مجرد خُلُق رفيع؛ بل هو أداة من أدوات البناء الحضاري والتماسك الاجتماعي. فبه تتجنب الأمم كثيرًا من سوء الفهم، وتؤسس ثقافة الاعتراف المتبادل من دون أن تضطر إلى إنكار الذات. وحين تتقن الشعوب فن الاستماع، فإنها تتعلم أيضًا صناعة السلم وتشييد الجسور وبناء التسويات بدل تحويل كل اختلاف إلى معركة. فالاختلاف لا يخيف العقل المنصت؛ بل يوسّع أفقه ويغني تجربته.
والدول التي راكمت تقاليد ديمقراطية مستقرة لا تنظر إلى المعارضة باعتبارها عائقًا أمام الأغلبية، ولا إلى اختلافها باعتباره خللًا ينبغي إسكاتُه؛ بل تجعل من التعدد في المواقف جزءًا من آلية صناعة القرار ومن أدوات الرقابة السياسية. فالمعارضة لا تكون معارضةً لأنها تصرخ أكثر؛ كما أن الأغلبية لا تصبح أكثر قوة لأنها تتكلم بصوت أعلى.
فحين تضيق مساحة الإنصات داخل القاعة، يتّسع الخلاف؛ ويتحوّل البرلمان من فضاءٍ لتدبير الاختلاف إلى حلبةٍ لفن المبارزة السياسية.
لكن السؤال الذي يستحق شيئًا من الفضول السياسي هو: إذا كان البرلمان فضاءً لإدارة الخلاف وتدبير الاختلاف، فما طبيعة الاختلاف الذي يستحق كل هذه المبارزة؟
ما الذي هم مختلفون فيه أصلًا؟
______
*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، يهتم بقضايا الدولة والمجتمع والسياسات العموميّة والتنمية والتحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة.
له عدة إسهامات فكريّة ودراسات ومقالات في الشأن المغربي والعربي والإسلامي.
ومن أبرز مؤلفاته: «الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية» (2000)، و«الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة» (2015)، و«الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة» (2020).





