الميليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية المتطرفة بين صناعة الفوضى وإدارة وتدبير الصراع بالوكالة..!

 

 

* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

ما نشاهده ونسمعه من تمزقٍ متصاعد في اليمن والسودان ولبنان والعراق وسوريا والصومال، وما أفرزته الصراعات المسلحة في هذه البلدان من إضعافٍ لمؤسسات الدولة، وتفكيكٍ لبنية المجتمع واستنزافٍ لموارد التنمية وتراجعٍ في مقومات الأمن والاستقرار؛ يقدّم، في مجموعه، نموذجًا دالًا على الكلفة الباهظة التي تترتب على انتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة، وعلى تحوّل الفاعلين المسلحين من أدواتٍ للصراع إلى عواملَ لإعادة إنتاجه وإدارته وتدبيره بالوكالة.

ومن هذه التجارب المتراكمة يمكن استخلاص عبرةٍ سياسية واستراتيجية واضحة: كلما تراجعت قدرة الدولة على احتكار القُوّة المشروعة، اتسعت مساحة الفاعلين المسلحين، وتداخلت الاعتبارات الداخليّة بالمصالح الخارجيّة، وأصبح وُجُود وسيادة استقرار واستمرار وأمن واستقلال وتنمية وعمران الدولة؛ أكثر عرضةً للاختراق والاستنزاف.

وفي هذا السياق، فإن بعض المواقف التي تُبديها أصوات في المغرب، حين تعاكس اختيارات البلاد أو تقلل من أهمية ضمان وُجُودها والمحافظة على سيادتها واستمرارها والعمل على تحقيق أمنها، واستدامة تنميتها وعمرانها؛ تستحق قراءةً هادئة في ضوء هذه التجارب الإقليمية؛ لا باعتبارها مجرد مواقف سياسية عابرة، وإنما باعتبارها مواقف ينبغي قياس آثار مخاطرها المحتملة على تماسك الدولة، واستقلال قرارها، واستقرار مجتمعها.

في أنثروبولوجيا السلاح الموازي وإيكولوجيا حروب الوكالة، تبدو الميليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية المتطرفة الخارجة عن سلطة الدولة، وبصرف النظر عن اختلاف أوضاعها وتصنيفاتها القانونية والسياسيّة من دولة إلى أخرى، ظاهرةً تتجاوز حدود المحلي إلى فضاء عابر للحدود؛ وحين تستعير قناع الدولة، أو تسعى إلى الحلول محل مؤسساتها، فإنها تتحول إلى سرطان سياسي وأمني عابر للحدود.

أينما تمددت، غدا وجودها تهديدًا مباشرًا لسيادة الدولة، ووجودها، واستقلال قرارها، واستمراريتها، وأمن مجتمعها، واستقرار وطنها، واستدامة تنميته وعمرانه.

والأخطر من ذلك حين تتحول هذه التنظيمات إلى أدوات في حروب الوكالة؛ فتتلقى التمويل أو السلاح أو التوجيه أو التأطير أو التدريب من قوى خارجية، وتضع ولاءها المسلح فوق مقتضيات المصلحة الوطنية، فتحوّل الأوطان إلى ساحات مفتوحة لصراعات الآخرين، وتصبح المجتمعات وقودًا لمعارك لا تملك قرارها.

إن الإرهاب لا يصبح مشروعًا لمجرد أن مرتكبيه يرفعون رايةً سياسية، أو راية الإسلام، أو راية التحرير؛ والميليشيا لا تصبح دولةً لمجرد أنها امتلكت القوة والسلاح؛ والسلاح الخارج عن سلطة مؤسسات الدولة لا يصنع سيادةً، بل يهدم أسسها.

لذلك، ينبغي أن يكون الموقف واضحًا وحاسمًا، وهو أفضل خيار في ظل الوضع الأسوأ:
1. رفض شرعنة الميليشيات المسلحة خارج مؤسسات الدولة.
2. تجفيف منابع ومصادر تمويلها وتسليحها.
3. تفكيك بنياتها المسلحة وشبكاتها اللوجستية.
4. ومحاسبة كل من يثبت تورطه في الإرهاب، أو استهداف المدنيين، أو تقويض سيادة الدول، وفق القانون.

فلا دولة مع السلاح الموازي للسلاح النظامي، ولا سيادة ولا استقلال ولا وجود وطني حقيقي مع الوكلاء؛ ولا أمن ولا استقرار ولا تنمية ولا عمران مع تنظيمات تجعل من العنف وسيلةً لفرض إرادتها، ومن الفوضى بيئةً لنمو نفوذها، ومن حروب الوكالة والقتال نيابةً عن الآخرين قدرًا يُفرض على الأوطان.

______
*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، يهتم بقضايا الدولة والمجتمع والسياسات العموميّة والتنمية والتحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة.
له عدة إسهامات فكريّة ودراسات ومقالات في الشأن المغربي والعربي والإسلامي.
ومن أبرز مؤلفاته: «الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية» (2000)، و«الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة» (2015)، و«الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة» (2020).


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...