بقلم.. أمجد إسماعيل الآغا
المتابع للصحف والمجلات الأمريكية والبريطانية والألمانية، وما تحتويه من عناوين رئيسية، يُدرك بأنها تتبع نمطاً تحاول من خلاله تشويه صورة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إذ يُعنى الإعلام الغربي عموماً، بتركيز سياساته ضد بوتين، بُغية تشكيل صورة نمطية للمتلقي، يتم من خلالها وصف بوتين بالوحش الاستبدادي الأسود، فالقصص المُثيرة التي اجتاحت الصحافة الغربية عموماً، والأمريكية خاصة، لم يكن ينقصها إلا أن تصف بوتين بـ “قاطع الرؤوس”، فضلاً عن جُملة من التوصيفات والتي يأتي جُلها في إطار سياسي. كل هذه التوصيفات التي تسابقت الصحف الأمريكية والغربية لـ وسم بوتين بها، ارتكزت على قصتين، الأولى تتعلق بقضية الجاسوس الروسي السابق “سيرجي سكريبال”، وتسميمه من قبل المخابرات الروسية، والثانية قضية “ألكسندر ليتفينينكو” الذي توفي في إنجلترا عام 2006 في ظروف غامضة.
قد تبدو هاتان القضيتان متشابهتان في الكثير من جُزئياتهما إلى حدّ بعيد، خاصة أنّ حالتي التسمم وقعتا في بريطانيا، ودائماً ما كانت التحقيقات البريطانية تخلص إلى بصمات المخابرات الروسية في مسرح الجريمة، وبتوجيه مباشر من فلاديمير بوتين، مع الأخذ بعين الاعتبار إلى أنّ “سيرجي سكريبال” تعرض إلى تسمم عبر استخدام غاز “نوفوتشوك” للأعصاب لكنه نجا وابنته من التسميم، وثمة تكتم على المكان الذي يقيمان فيه حالياً، بينما “ألكسندر ليتفينينكو” شرب مادة مُشعة “البولونيوم-210″، تم وضعها في كوب الشاي أثناء تناوله طعامه في مطعم سوشي في لندن، وتوفي متأثراً بالمادة المُشعة.
في ذات الإطار، فقد عمدت بريطانيا حينها وتحديداً في قضية “سيرجي سكريبال”، إلى محاولة تشويه وإخفاء الحقائق المتعلقة بحيثيات القضية، فقد خلصت الكثير من التقارير إلى أن “سكريبال”، عاش في سالزبوري على مسافة قريبة من مختبر الأسلحة الكيميائية والبيولوجية الواقع في بورتون داون، وهو خيار للتسمم لم يتم اكتشافه بالكامل، وقد تم إخفاء هذه الجزئية البالغة الأهمية، لإضفاء طابع سياسي ضد روسيا. خاصة أنه لم يكن هناك سبب واقعي وحقيقي لقتل المعارضيّن الروسيّن في إنجلترا، إذ أنهم لم يعودوا يشكّلون أي تهديد للمصالح الروسية.
في جانب موازٍ، فإن التسمم يُعد طريقاً مختصراً للكثير من السياسات الدولية، وتحديداً في قضايا الجواسيس القدامى، أو المعارضين الذين يملكون ملفات سرية تُهدد الدول. هذا الأمر يُشار إليه باسم الدبلوماسية “101”، فالقاعدة الأولى في الدبلوماسية “101”، هي أنّ تُعطي الأولوية لمصالحك حتى لا تضيع الوقت، من خلال السعي لتحقيق أهداف إما غير منطقية بشكل أساسي، أو حتى لا معنى لها على حساب المصالح الوطنية الحيوية الحقيقية.
في هذا الإطار، فإن فلاديمير بوتين سياسي ذكي يُدرك أن قتل المعارضين السياسيين يأتي بنتائج عكسية، ومن الأفضل السماح لهم بالعيش، وبالتالي فإن القضية المُستجدة لجهة المعارض الروسي “أليكسي نافالني”، وهو معارض روسي بارز موجود حاليًا في ألمانيا، ويُعالج مما وصف بأنه تسمم قام به أشخاص مجهولون، باستخدام سم غير معروف، والذي يُفترض أنه قُتل لأنه انتقد بوتين وسياساته الداخلية. هذه القضية تناولها الصحفي في نيويورك تايمز “بريت ستيفنس”، والذي لا يُخفي عداؤه لدول مثل روسيا والصين وإيران، إذ يحاول “ستيفنس” تسيس القضية عبر تأييد تشريع في الكونجرس لمعاقبة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
في الواقع فإن الصحفي “بريت ستيفنس” تربطه علاقة جيدة بـ دونالد ترامب، والغايات الأمريكية تُجاه روسيا واستثمار أيّ حدث يُفسر إلى حد ما، طريقة التعاطي مع قضية نافالني، فالمنطق يقول بأن بوتين إنّ أقدم على قتل معارضيه في الخارج، فإن ذلك لن يُحقق أيّ غايات أو أهداف لعموم السياسات الروسية، وبالتالي يبدو واضحاً أنّ قضية نافالني واستثمارها، يؤكد أبعاد الغايات الأمريكية في هذا الإطار، خاصة أنّ روسيا في المراحل النهائية من إنشاء مشروع خط أنابيب الغاز Nord Stream 2 مع ألمانيا، والذي يحقق أرباحًا كبيرة لكلا البلدين ويعارضه بشدة دونالد ترامب.
البيت الأبيض في وقت سابق، حاول جاهدًا إنهاء المشروع لأسباب تتعلق بالأمن القومي لإفادة موردي الغاز الأمريكيين، وعليه فإن من مصلحة ترامب تسميم المعارض الروسي نافالني، لإلصاق التهمة بـ فلاديمير بوتين، وضمن ذلك فإن العلاقة الروسية الألمانية ستتأثر بناءً على تداعيات قضية نافالني، بدليل أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مُترددة في استكمال المشروع بسبب ضجة هذه القضية والضغوط التي تُمارسها واشنطن ضد برلين.
حقيقة الأمر، لا نُبالغ إنّ قلنا بأن تسميم نافالني، مرتبط مباشرة بالمخابرات الأمريكية، مع تواطؤ جهات تُعادي السياسات الروسية في القارة العجوز، إذ لم يكن لدى موسكو دافع حقيقي لقتل نافالني في حين أن البيت الأبيض حريص بالتأكيد على إنهاء مشروع “نورد ستريم2″، وعليه فإن الضخ الإعلامي المكثف في هذه القضية، يُهندس وفق آلية نشر الخوف من روسيا في الولايات المتحدة وأوروبا، وبهذا تكون واشنطن قد حققت غاياتها في إطارين:
الأول- إبعاد روسيا ومشاريعها في الطاقة عن أوروبا، وهذه غاية أمريكية صِرفة.
الثاني- تشويه صوره روسيا لدى المجتمع الدولي، مع حيثيات تتعلق باستمرار إمساك واشنطن بخيوط هذا المجتمع، خاصة أنّ روسيا باتت قطبًا موازيًا للولايات المتحدة.
بقي أنّ نُذكر، بأن جُملة القوانين الأمريكية تحمل ذات الجوهر والمضمون، وتحديداً لجهة التعامل مع أعداء واشنطن، فـ على غرار قانون نافالني المقترح لمعاقبة روسيا، هناك أيضاً قانون يحمل أسم قانون ماغنتسكي، الذي أقره الكونجرس الأمريكي لمعاقبة المسؤولين الروس، على خلفية قضية “سيرجي ماغنتسكي” وهو مُحاسب ضريبي روسي متخصص في أنشطة مكافحة الفساد، حيث تم اعتقاله وسجنه في روسيا، وبعد فترة وجيزة توفي في السجن، وزُعم أنه قتل على يد المخابرات الروسية لإسكاته، وذلك حسب الروايات الأمريكية.
إذاً. تسعى واشنطن لنشر الرهاب الروسي في العالم، بُغية تمرير سياساتها وخُططها في الكثير من القضايا الإقليمية والدولية، وليكون الايحاء الأمريكي بأنها داعمة لحقوق الإنسان وتُعارض سياسات القتل في أي قضية، بينما الواقع والكثير من القضايا تؤرخ للإجرام والإرهاب الأمريكي في كل مكان، ما يعني أنّ الخطط الأمريكية بمضامينها تُشكّل مأساة للجميع، ويجب إيقافها بأيّ وسيلة.





