بقلم الدكتور خالد علمي
حظيت الأحداث الأخيرة في أفغانستان بتغطية إعلامية جد واسعة منذ بدأ سيطرة حركة طالبان على أقاليم البلاد، وانسحاب أخر جندي من قوات التحالف من الأراضي الأفغانية في 31 غشت 2021 وحتى إحكام حركة طالبان سيطرتها على جل أفغانستان وإعلان انتهاء الحرب وقرب تشكيل حكومة مؤقتة جديدة لأفغانستان. ويحاول المحللون والمتابعون للقضية الأفغانية فهم التطورات المتسارعة الأخيرة ورسم الصورة المستقبلية لأفغانستان في ظل الإرث التاريخي الثقيل والتركيبة المجتمعية وتهافت القوى الدولية على تثبيت مصالحها الإستراتيجية والاقتصادية في أفغانستان وتطلعات الشعب الأفغاني للحرية والسلام والأمن والتنمية.
فما هي آفاق أفغانستان طالبان في ظل معادلة التنافس الدولي وهشاشة الداخل الأفغاني؟
1- مسار تاريخي بين الحرب والسلم.
يمكن إرجاع التاريخ المكتوب لمنطقة أفغانستان “ارض الأفغان” إلى حوالي 500 قبل الميلاد عندما كانت المنطقة تحت حكم الإمبراطورية الأخمينية. فقد امتدت حضارة وادي السند إلى أجزاء كبيرة من أفغانستان في الشمال. ووصل الإسكندر المقدوني إلى ما يعرف الآن بأفغانستان في عام 330 قبل الميلاد بعد غزوه لبلاد فارس، ومنذ ذلك الحين، قامت العديد من الإمبراطوريات بتأسيس عواصم داخل أفغانستان التي احتلت موقعًا مهمًا من الناحية الإستراتيجية عبر التاريخ، باعتبارها بوابة للهند، وحلقة مهمة من “طريق الحرير” القديم، الذي كان ينقل التجارة من البحر الأبيض المتوسط إلى الصين. ثم جاء الفتح الإسلامي الذي أطلق اسم “خراسان” على المنطقة، والتي تعني “مشرق الشمس”، وهذه العصور كانت بمثابة العصور الذهبية لهذا البلد الذي أنتج كثيرا من أعلام المسلمين مثل “ابن سينا” و”الخوارزمي” و”عمر الخيام” و “الفارابي” و”الإمام البخاري” و “الترمذي” و “مسلم” … ثم جاءت دولة أفغانستان الحديثة التي أسسها فعليا “احمد شاه دوراني” الذي تعاقبت أسرته حتى “محمد ظاهر شاه” آخر ملوك أفغانستان سنة 1973م، وخلال هذه الفترة مرت أفغانستان بظروف عصيبة، أولها الحرب الصفوية-الأفغانية ثم الحرب البريطانية-الأفغانية التي استمرت 82 عاما وانتهت بهزائم نكراء لبريطانيا العظمى. ثم جاء بعدها التدخل العسكري السوفيتي من سنة 1979 إلى سنة 1989، كان الهدف منه دعم الحكومة الأفغانية الحليفة آنذاك للاتحاد السوفيتي، والتي كانت تعاني من هجمات الثوار المعارضين “المجاهدين” بدعم من المعسكر الغربي المعادي للسوفييت، والذي كان من ضمنه الولايات المتحدة الأمريكية، السعودية وباكستان. وبعد الانسحاب السوفيتي سنة 1989، اندلعت حروب أهلية عام 1992 بين فصائل مقاومة السوفييت “المجاهدين”، مما جعل البلاد تصبح بيئة صراع وعدم استقرار، حالت دون إنشاء مقومات الدولة.
ظهرت طالبان بزعامة “الملا عمر” سنة 1994 في هذه البيئة المضطربة بهدف إنشاء “نظام إسلامي قائم على “الفقه الحنفي السني” في أفغانستان. وقد سمت المنظمة نفسها “طالبان”، و تعني “الطلبة”، لكونها تتكون من طلبة تلقوا تعليماً دينيًا في المناطق ذات الغالبية البشتونية شرقي وجنوبي البلاد. والبشتون هم مجموعة عرقية تقطن بجنوب وشرق أفغانستان وإقليم بلوشستان بغرب باکستان. تأسست حركة طالبان من طرف 50 طالبًا من طلاب المدارس الدينية في ولاية قندهار جنوبي البلاد كان من بينهم من شارك في الجهاد ضد السوفييت من قبل. وبسرعة وصل عدد منتسبي الحركة إلى 15 ألفًا بعد إقبال طلاب المدارس الدينية الأفغانية على الانتساب إليها. وقد وفرت باكستان، المستضيفة للمدارس الدينية، الموارد البشرية “المقاتلين” للحركة، وكانت بذلك أهم داعم لها منذ بداية تأسيسها. وفي سنة 1994 سيطرت حركة طالبان على مركز ولاية قندهار، وبحلول مطلع عام 1995، حاصرت طالبان العاصمة كابول التي كانت تسيطر عليها قوات الحكومة الأفغانية المؤقتة بقيادة وزير الدفاع آنذاك “أحمد شاه مسعود”. وفي سنة 1996، أحكمت طالبان السيطرة على كابل وأنهت وجود الحكومة المؤقتة معلنة إنشاء دولتها الخاصة تحت اسم “إمارة أفغانستان الإسلامية”. وفي هذه اللحظة بالتحديد، كانت أفغانستان غارقة في الفوضى وحالة عدم الاستقرار نتيجة الصراعات المسلحة المستمرة منذ قرابة 20 عامًا. وبحلول عام 1998، تمكنت طالبان من السيطرة على 90% من الأراضي الأفغانية، في الوقت الذي لم تكن فيه البلاد تمتلك ما يكفي من الماء والكهرباء إضافة إلى تردي البنى التحتية وانهيار قطاعات الاتصالات السلكية واللاسلكية والنقل. فقد كانت البلاد تواجه معضلة حقيقية في تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين مثل المأوى والغذاء والدواء، وكذلك اهتزاز البنية الاجتماعية للبلاد القائمة على أساس التضامن الأسري والقبلي بسبب سنوات الحرب الأهلية الطويلة التي أدت إلى مقتل ما يقرب من مليون مدني. فقد كان الشعب الأفغاني في أمس الحاجة إلى مساعدات إنسانية مقدمة من قبل منظمات الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية أجنبية. إلا ان حركة طالبان، وبعد توليها للسلطة، أظهرت مواقف مشككة تجاه منظمات الإغاثة الأجنبية، انتهت بإغلاق مكاتب جميع منظمات المساعدات الإنسانية الأجنبية ووكالات الأمم المتحدة في البلاد.
في الفترة مابين سنة 1996 و 2001، قام النظام الطالباني، الذي تم الاعتراف به فقط من طرف باكستان والسعودية والإمارات العربية، بحماية الثري السعودي “أسامة بن لادن”، الذي قام بتنظيم بعض المجاهدين الأجانب الذين قاتلوا ضد السوفييت في أفغانستان في الثمانينيات، ضمن منظمة “القاعدة”، وكان في المقابل يقدم الدعم العسكري والدعم المالي الذي كانت طالبان في حاجة ماسة إليه. وفي سنة 2000، أصدر مجلس الأمن الدولي قرارًا برقم 1333 قضى بفرض عقوبات على نظام طالبان لسماحها باستخدام أفغانستان كقاعدة وملاذ آمن لتنظيم “القاعدة” وجماعات أخرى. وبعد هجمات 11 سبتمبر سنة 2001، تزعمت الولايات المتحدة الأمريكية تحالفا دوليا للقيام بعملية عسكرية في أفغانستان أطلقت عليها اسم “عملية الحرية الباقية” في 7 أكتوبر من نفس السنة، استولت خلالها قوات التحالف على الولايات الرئيسية واحدة تلو الأخرى في أفغانستان، وذلك بمساندة ما سمي آنذاك ب”تحالف الشمال” المكون من المجاهدين السابقين المناهضين لحركة طالبان. وفي نونبر 2001، انسحبت حركة طالبان من العاصمة كابل ومن مدينة قندهار، معقلها، واضطر زعماؤها إلى مغادرة البلاد. وبعد الإطاحة بالنظام الطالباني تشكلت حكومة انتقالية من عدد من الزعماء الأفغان برئاسة “حامد كرزاي” وبرعاية أمريكية. وفي سنة 2003، شكلت الولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلسي “الناتو” القوة الدولية “إيساف” لدعم الأمن في أفغانستان.
إثر هذه التطورات، قامت حركة طالبان بإعادة تنظيم صفوفها وأطلقت حرب عصابات ضد الحكومة الأفغانية والقوة الدولية لدعم الأمن “إيساف”. فبدأت بإقامة الحواجز والكمائن والغارات الخاطفة في المناطق الريفية وشنت عمليات انتحارية في المدن، استطاعت من خلالها استعادة السيطرة على مناطق معينة من البلاد منذ سنة 2006. وكان على قوات التحالف الدولية زيادة عدد الجنود في البلاد لمواجهة تزايد قوة ونفوذ حركة طالبان، ما أدى إلى وصول عدد القوات الدولية في البلاد إلى نحو 140 ألف جندي، 100 ألف منهم كانوا جنودًا أمريكيين، وذلك ما بين 2009-2011. وفي سنة 2012، أعلنت الولايات المتحدة أنها ستنهي عملياتها العسكرية في أفغانستان اعتبارًا من ديسمبر 2014 لتبدأ في عملية سحب قواتها. وفي شهر ديسمبر 2014، أوقف “الناتو” رسمياً عمليات القوة الدولية للمساعدة الأمنية ونقل جميع المسؤوليات الأمنية إلى الحكومة الأفغانية. وقد أدى فشل الحكومة الأفغانية، المدعومة من التحالف الدولي، في توفير الأمن إلى فشل خطة الانسحاب الأمريكية المقررة في تلك السنة. وفي المقابل، واصلت حركة طالبان شن عملياتها العسكرية التي أسفرت عن سقوط المزيد من القتلى في صفوف المدنيين. وفي عهد الرئيس الأمريكي السابق “باراك أوباما” حاولت الولايات المتحدة لأول مرة، إطلاق مفاوضات بين طالبان والحكومات الأفغانية من أجل تحقيق السلام في البلاد. لكن المبادرات التي جرى إطلاقها أعوام 2011 و2012 و2013 و2016، لم تأت بأي نتائج ملموسة. وبعد انتخاب “دونالد ترامب” رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، استؤنفت المفاوضات بين حركة طالبان والحكومة الأفغانية. وفي سنة 2019، انطلقت جولات المفاوضات المباشرة بين حركة طالبان والولايات المتحدة الأمريكية في العاصمة القطرية الدوحة، أسفرت في شهر ديسمبر 2019، عن وقف فعلي لإطلاق النار. وفي 29 فبراير 2020، تمت مراسم توقيع اتفاق بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، يمهد إلى إحلال السلام وإنهاء الحرب في أفغانستان، انتهى بإجلاء آخر جندي أمريكي من الأراضي الأفغانية يوم 31 غشت 2021.
2- تنوع الهوية العرفية والدينية.
انتشرت في أفغانستان ديانات عبر التاريخ مثل : المجوسية والبوذية والزرادشتية والمسيحية. وقد دافعوا عن دياناتهم تلك واحدًا تلو الآخر إلى أن وصل إليهم الإسلام عبر سِجِستان وخراسان في عهد الخليفة “عمر بن الخطاب”، ومن بعده الخليفة “عثمان بن عفان”، رضي الله عنهما، إلى أن استقر على أرضها في منتصف القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي)، ومنذئذٍ صار الأفغان هم رافعي لواء الإسلام في آسيا، وتشهد بذلك فتوحات الغزنويين والغوريين والهوتكسيين والأيداليين، التي وصلت إلى ربوع الهند. وكانت بلاد الأفغان قد خضعت لحكم التيموريين في نهاية القرن 14 الميلادي، فلما انقسمت دولتهم وضعف أمرها بعد وفاة مؤسسها انقسمت إلى إمارات. وفي القرن 16 الميلادي استطاع الصفويون توحيدها في إطار ما يسمى الآن ب”أفغانستان”. ورغم أن التنوع العرقي يعد إحدى السمات الأساسية لدول القلب الآسيوي، فإننا نجده أوفر وأعمق في أفغانستان، التي يتعايش فيها الآن تقريبا 21 عرقـًا وملة موزعين على 34 ولاية، ويعتبر “البشتون”، الذين تنتمي إليهم حركة طالبان، أكثر تلك الأعراق ويعيشون في شمال جبال هندكوش وإلى الجنوب منها، وهم مزيج من العناصر التركية والفارسية، وينتشرون كذلك في شمال غربي باكستان في مناطق الحدود. ويأتي الطاجيك في المرتبة الثانية، وهم عناصر فارسية، ويعيشون في الأودية العليا من إقليم بادخشان، ويمتدون إلى الغرب. ثم الأوزبك والهزارة “الشيعة”، وهي أقليات لا تتجاوز 10% لكل منهما، بجانب أقليات أخرى صغيرة بينها البلوش والتركمان والقرقيز والبراهي والمغول والكوجار والسيخ وعرب بنحو (2.5%). بالنسبة للدين يشكل”المسلمون السُنة” 84.7%، ويتقاسم “المسلمون الشيعة” والأقليات الدينية الأخرى النسبة الباقية. وقد استأثر “البشتون” تاريخيـًا بالحكم في أفغانستان منذ ظهورها كدولة مستقلة على يد “أحمد شاه ” قبل أكثر من 300 سنة، وتحديدًا عام 1747م. وقد احتفظت هذه المجموعات العرقية المتنوعة بخصوصياتها على مدار القرون المتعاقبة، وكانت التضاريس الجغرافية بمثابة الأوعية التي ساعدت على تثبيت تلك الخصوصية، حيث وجدت كل مجموعة عرقية ملاذًا خاصًا بها في هضبة أو واد أو جبل أو سفح … إلخ . ولم يمنع ذلك من تداخل تلك الأعراق في بعض المدن الكبرى، مثل كابول، ومزار شريف، وهيرات، وقندهار، وجلال أباد. ويعتبر الإسلام القاسم المشترك بين الجميع، إذ لا يعتبر الإسلام دينـًا فقط في أفغانستان، بل هوية جامعة وعقدًا فريدًا التأمت في ظله مختلف الأعراق، ولهذا ظل التمسك به هو الحامي من انهيار النسيج المجتمعي.
ومع وجود هذا التعدد العرقي الذي قد يبدو عاملا لتأجيج الصراعات البينية في المجتمع الأفغاني، إلا أن الكراهية لعدو مشترك تغير دائمـًا كل الحسابات والتحالفات والولاءات، إذ سرعان ما تذيب هذه الكراهية جليد الولاءات العرقية، وتصهر الفصائل الأفغانية في بوتقة واحدة لمواجهة هذا العدو، كما حدث خلال الحروب ضد الإنجليز والروس والأمريكان. وقد ظلت تدخلات دول الجوار وتغذيتها للنزعات العرقية المتباينة بالسلاح، سببـًا رئيسيـًا وراء استمرار المحرقة الدائرة منذ أكثر من عقدين من الزمن، وفشل كل مبادرات ودعوات المصالحة في إحلال السلام بين الفصائل والعرقيات الأفغانية المختلفة،
3- ثروات طبيعية ضخمة ومكانة إستراتيجية جد حساسة.
تحتوي أفغانستان على موارد معدنية متعددة، نادرة ونفيسة وضرورية للصناعات الحديثة، يمكن ان تحولها إلى أحد أهم مراكز التعدين في العالم. ومن بين أبرز عناصر هذه الثروة المعدنية التي تشتهر بها أفغانستان النحاس، حيث تمتلك ثاني أكبر احتياطي في العالم منه بقيمة تقدر بنحو 88 مليار دولار، إضافة إلى نحو 2.2 مليار طن من خام الحديد. كما تمتلك أفغانستان أيضا 1.4 مليون طن من العناصر الأرضية النادرة و5 مناجم للذهب و400 نوع من الرخام واحتياطيات من البريليوم تقدر بقيمة 88 مليار دولار، وتجني 160 مليون دولار من بيع الأحجار الكريمة سنويا. هذا وقد سبق لموقع “كوارتز” الأمريكي أن أكد أن أراضي أفغانستان تحتفظ بثروات معدنية ضخمة، قد تساعد في بناء اقتصاد الطاقة النظيفة العالمي. ففي سنة 2010 نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مذكرة داخلية لوزارة الدفاع الأمريكية بعنوان “أفغانستان : سعودية الليثيوم”، في إشارة إلى أن ما تملكه أفغانستان من معدن “الليثيوم” الناذر يُضاهي امتلاك السعودية للنفط، وذلك بعد أن اكتشف الجيولوجيون الحجم الهائل للثروة المعدنية للبلاد والتي تقدر قيمتها بما لا يقل عن تريليون دولار. ويعتقد أن أفغانستان تمتلك أكبر احتياطي في العالم من “الليثيوم”، المستخدم في إنتاج السيارات الكهربائية وبطاريات الطاقة المتجددة، حسب الموقع الأمريكي. ومن المتوقع أن يرتفع الطلب العالمي على “الليثيوم” 40 ضعفا بحلول سنة 2040، وفقا لوكالة الطاقة الدولية، من جهة أخرى، تعمل شركات نفطية فرنسية وإيطالية وكندية وصينية للاستثمار والتنقيب عن النفط في الأراضي الأفغانية. فبالإضافة إلى الحقول النفطية المستغلة، كانت الحكومة الأفغانية قد أعلنت سنة 2010 عن اكتشاف حقل نفطي جديد في شمال البلاد يقدر احتياطه من الخام ب 1.8 مليار برميل. كما تم اكتشاف ستة حقول نفطية أخرى موزعة بين الشمال وحتى هيرات غرباً، وهلمند جنوباً وباكتيا في الجنوب الغربي. ويقدر المخزون الاحتياطي النفطي في منطقة الطاجيك -مثلا- ب 87 مليون برميل.
هذا وقد أكد برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أن أفغانستان تضم غابات في الجانب الشرقي، وهي من الثروات الطبيعية التي يمكن أن تعتمد عليها صناعات متعددة أبرزها الأثاث. وحين نتكلم عن الثروات الزراعية التي يعتمد عليها في الاقتصاد الأفغاني، لا يجب أن نتناسى مادة الأفيون المخدرة التي تصدرت أفغانستان في إنتاجها على مستوى السوق العالمي خلال 20 سنة الماضية (84% من الأفيون الذي يغذي سوق الأفيون في العالم). فقد كان هذا البلد قبل استيلاء طالبان على الحكم قبل 20 سنة غارقا في إنتاج المخدرات والاتجار بها، حيث ارتبط الأفيون بما بين 20% و30% من الناتج القومي الإجمالي الأفغاني، إلا أن فتوى أصدرها زعيم الحركة الراحل “الملا عمر” في سنة 2000 تجرم الأفيون باعتباره مخالفا للإسلام، أدت إلى القضاء على زراعة الخشخاش في جميع أنحاء الأراضي التي كانت تحت سيطرة طالبان، وإلى وقف غير مسبوق للاتجار العالمي بالهيروين. وقد ساهم هذا الحظر في سرعة سقوط حركة طالبان في سنة 2001 والغزو الأمريكي للأراضي الأفغانية. لكن سرعان ما عاد أمراء الحرب الذين طردتهم طالبان إلى إقطاعياتهم بعد سقوطها، وهذه المرة بلقب “حكام”، خاصة في أكثر مقاطعات ولاية هلمند إنتاجا للأفيون بالجنوب وننغرهار في الشرق، وعادت أفغانستان عام 2002 لإنتاج 3400 طن من الأفيون. وفي ظل البيئة التي أوجدها التواجد الأمريكي، لم تشهد حملات المكافحة التي أطلقها حلف شمال الأطلسي “الناتو” سوى نتائج محدودة، حيث اعتبر مدير وكالة المخدرات التابعة للأمم المتحدة عام 2006 أن “أفغانستان انتقلت من اقتصاد المخدرات إلى دولة المخدرات” ففي العام التالي، تم إنتاج 8200 طن أفيون بأفغانستان، شكلت مصدرا لنحو 90% من الهيروين في العالم. وفي سنة 2017 حطمت أفغانستان رقما قياسيا جديدا، بإنتاجها 9000 طن من الأفيون، وقد اعترفت الحكومة الأفغانية التي كانت مدعومة من التحالف الدولي بعجزها عن مكافحة هذه الآفة. وقد تفاقم هذا العجز بتخلي أمريكا “رائدة التحالف الدولي” عن خطاب “الحرب على المخدرات بأفغانستان” الذي كان رائجا، لأن الهيروين المباع بالسوق الأميركية يأتي بشكل أساسي من المكسيك وليس من أفغانستان.
من الناحية الجيو-استراتيجية، تحتل أفغانستان موقعاً ذا أهمية حسَّاسة للغاية، فهي تقع في وسط المناطق الآسيوية الرئيسية : آسيا الوسطى وجنوب القارة وغربها والشرق الأقصى، ما يجعل منها ومنطقة آسيا الوسطى منطقتين محوريتين للسيطرة على مختلف المناطق الأخرى. وتتمتع أفغانستان بموقع جغرافي يجعلها ممرا “ترانزيت” مهماً لصادرات النفط والغاز الطبيعي من وسط آسيا إلى بحر العرب، وبالنسبة لخطوط أنابيب الطاقة في أفغانستان، هناك خط تابي (TAPI)، وهو امتداد لخط أنابيب الغاز الطبيعي من تركستان عابراً أفغانستان إلى باكستان، ثم الهند. والخط الثاني هو خط إيران-باكستان-الهند (IPI). وعلى حد تعبير “زبيجنيو برجينسكي Zbigniew Brzezinski ” في كتابه “رقعة الشطرنج الكبرىThe Grand Chessboard ” الذي نشره عام 1997، فإن كلاً من أفغانستان ومنطقة آسيا الوسطى تمثّلان “محوراً جيوسياسياً”.
4- معادلة التنافس الدولي.
كان الغزو الذي قادته الولايات المتحدة لأفغانستان عام 2001 ضد نظام طالبان وحليفه آنذاك “تنظيم القاعدة”، مدعوماً من قبل معظم دول المنطقة. إذ قدمت إيران معلومات استخباراتية حاسمة لدعم القوات الخاصة الأمريكية التي تدير الغزو، وقدمت روسيا خرائط ومعلومات استخباراتية من الحقبة السوفيتية وسمحت لاحقًا للجيش الأمريكي بإرسال الإمدادات إلى أفغانستان عبر أراضيها. وحتى باكستان، الداعم الرئيسي لحركة طالبان، ساعدت في مطاردة مقاتلي “القاعدة” وأصبحت خط الإمداد الرئيسي لقوات “الناتو”. فأفغانستان، البلد الفقير الجبلي المشهور بشعبه الصلب وغير المتجانس، يقع بين عدد من الدول الإقليمية الكبرى مثل باكستان وإيران والصين، وروسيا والهند و،غير بعيد، تركيا، ويُعتقد أن هته الدول سيصبح لها اليد الطويلة في التأثير على الأوضاع السياسية والأمنية في دولة ما بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، حيث تتشارك تلك الدول بعلاقات مركبة، بعضها مع بعض، تجمع بين العداء والتنافس والتنسيق.
أولا- الصين : على المستوى الاقتصادي، تتمثل مصلحة الصين الرئيسية في تأمين المكاسب الاقتصادية من خلال استخدام موقع أفغانستان كحلقة وصل إقليمية إما في مشروع طريق الحرير بنسخته الجديدة “الحزام والطريق”، وإما في الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان. فمنذ عام 2007، بدأت الصين تبحث عن طرق لاستخراج الثروة المعدنية الهائلة والغير مستغلة لأفغانستان، الأمر الذي يتطلب الاستقرار السياسي والأمن والبنية التحتية والمواصلات. وتجدر الإشارة ان الصين تهيمن حاليا على سوق المعادن النادرة، التي تستخدم في الأجهزة عالية التقنية والسيارات والطاقة النظيفة والدفاع على المستوى العالمي (35% من الاحتياط العالمي)، وهي في نفس الوقت تعد “آلة تعدين”،إذ أنتجت 70% بالمائة من إجمالي العناصر الأرضية النادرة في عام 2018، مقارنة بالولايات المتحدة التي أنتجت فقط 9% فقط. وهذه الخاصية تجعلها لا تتوانى في استعمالها كورقة رابحة في حروبها الاقتصادية مع الغرب. وبوجود الثروة المعدنية الضخمة تحت الأرض الأفغانية وخاصة المادة الناذرة “الليثيوم” والحاجة المستعجلة لإعادة الإعمار، وتعد الصين من الدول الأوفر حظاً للاستثمار في أفغانستان بعد سيطرة طالبان، خاصة أن هناك علاقة جيدة تجمعها بحركة طالبان، إضافة إلى أنها أكبر مستثمر أجنبي في البلاد، خاصة في قطاعي التعدين والطاقة. فبعد سيطرة طالبان على كابل سارعت الصين، على لسان المتحدث باسم الخارجية الصينية “تشاو لي جيان”، إلى التأكيد أن الصين تعتزم مواصلة جهود استعادة السلام في أفغانستان والمساعدة في تحفيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية. كما سبق ان أكد وزير خارجية الصين “وانغ يي” استعداد بلاده تعميق التعاون في مبادرة “الحزام والطريق” بمناسبة حلول الذكرى الـ15 لتوقيع “معاهدة الصداقة والتعاون وعلاقات حسن الجوار” بين الصين وأفغانستان. كما تستثمر الشركات الصينية مئات الملايين من الدولارات للحصول على حقوق التعدين والبناء. ويعزز الدور الصيني المستقبلي في أفغانستان، دعوة طالبان في يوليو الماضي على لسان المتحدث باسمها “سهيل شاهين” للصين إلى الإسراع بضخ مزيد من الاستثمارات من أجل إعادة إعمار أفغانستان على ان تسهر الحركة على توفير الأمن. وبالإضافة للأهداف الاقتصادية، تطمح الصين إلى قطع الطريق على أي تواصل بين حركة طالبان والنشطاء المسلمين من طائفة “الأويغور” الذين يسعون للاستقلال عن الصين، لاسيما وأن حركة “تركستان الشرقية الإسلامية“، وهي حركة مسلحة من “الأويغور” في إقليم “شينجيانغ” الصيني، تنشط حالياً على الأراضي الأفغانية.
ثانيا- امربكا : كان أحد الأهداف الجيو-سياسية الرئيسية لواشنطن في أفغانستان هو إيجاد موطئ قدم “إستراتيجي” في المنطقة للحد من تقدم القوى المنافسة لها، خاصة روسيا والصين. كما كانت ترغب في السيطرة على موارد الطاقة. وقد بدأت هذه الإستراتيجية بدعم حركة “المجاهدين” خلال الغزو السوفيتي لأفغانستان وتلته بالغزو العسكري المباشر في ما بعد، ولا يمكن وضع انسحابها الأخير من أفغانستان إلا في إطار تغيير طريقة الوصول إلى الأهداف فقط. فقد أصبحت تتبنى بشكل متزايد إستراتيجية تقوم على أن يتحمل حلفاؤها الإقليميون تقاسم عبء تأمين النقاط الساخنة، مثل أفغانستان، بينما توجه جهودها، هي، إلى مناطق المنافسة الحقيٌقية. وقد تكون سيطرة طالبان على السلطة في مقابل انهيار الحكومة وجيشها المدعومين من أمربكا، مبررا للتفكير في إمكانية استعمال طالبان ك”راع” للمصالح الغربية في أفغانستان. ويزيد من احتمال هذا التوجه انشغال القوى الدولية والإقليمية المنافسة وعدم رغبتها في التورط العسكري في أفغانستان. فالصين منشغلة بمشاريع التنمية الاقتصادية الداخلية والخارجية، ولا ترى روسيا فائدة تذكر في تدخل عسكري بالنظر إلى تجربتها المريرة في أفغانستان، كما لا تشكل إيران وباكستان تهديداً كبيراً للولايات المتحدة الأمريكية، أو يمكن احتواؤه في أسوأ الأحوال. هذا وتدرك الولايات المتحدة الأمريكية ومعها الدول الغربية، بعد انسحابها السريع من أفغانستان، أن أوراق الضغط على طالبان تتمثلُ أساساً بارتهان أفغانستان واعتمادها على المساعدات التنموية والاحتياطيات المالية الأفغانية الموجودة في البنك الدولي لتخفيف الأزمة الاقتصادية الداخلية الخانقة، وكذا الحاجة الماسة إلى الاعتراف السياسي الدولي -وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي- بالنظام الجديد الذي سيحكم أفغانستان والمتمثلِ بحركة طالبان ومن سيشاركها في الحكومة المؤقتة المقبلة. والمتتبع لسياسة الرئيس الأمريكي “بايدن”، في هذا الملف، يدركُ أنهُ على الرغم من “الإحراج” الذي حدث جراء انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، فسياسته كانت واضحة تجاه أفغانستان، وملامحها بدأت بالظهور شيئاً فشيئاً. إن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الجديدة هي إنهاء الحرب التي استمرت 20 عاماً والاهتمام بالتحديات الجديدة في مناطق جغرافية جديدة مثل “بحر الصين الجنوبي” الذي بدأ يعرفُ هيمنة صينية وتراجعا أمريكيا في بحر تمرُّ عبره ثلث التجارة الدولية. وهنا تجدرُ الإشارة إلى أنه قبل تولِّي الرئيس “بايدن” منصبه كان موقفُ الأمريكيين من الانسحاب يحظى بدعم كبير في أغلب استطلاعات الرأي، وهو الأمرُ الذي أيدهُ من قبل كل من الرئيس السابق “دونالد ترمب” والعديد من الجمهوريين والديمقراطيين على السواء. هذه السياسة الأمريكية الحاسمة لمسها الجانبُ الأوروبي جراء طريقة الانسحاب ورفضها لأي مقترحٍ من الأوروبيين لتمديد التواجد على الأراضي الأفغانية، بل وعدم تشاورها مع “الشركاء” الأوروبيين فيما يخص الانسحاب وطريقة تنفيذه التي قد تؤدي إلى أزمة نزوح إنساني جديدة. والولايات المتحدة الأمريكية هي الأقرب ضمن القوى الغربية من تقديم اعترافٍ دولي لطالبان، إلا أن هذا الاعتراف سيكونُ مشروطاً في الغالب، وهي ستعمل على توظيف كل الأوراق الممكنة من أجل الضغط على طالبان لبلوغِ تسوية ما تسمحُ لها بالتحكم في بعض الملفات الداخلية بأفغانستان، علما أن طالبان هي الآن عاجزة عن الوصول إلى نحو 9 مليارات دولار من احتياطيات العملات الأجنبية المجمدة، وأن الدول المانحة ومنها أمريكا وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي أوقفت التمويلات الممنوحة، والتي تمثلُ ما يقربُ من 40% من الناتج المحلي الإجمالي لأفغانستان. هذا التوقيف يجعلُ النظام الاقتصادي الأفغاني اليوم مهدداً بالانهيار،وهو ما تدركهُ الولايات المتحدة الأمريكية وطالبان، لذلك سيسعى الطرفان لبلوغِ تسوية تضمنُ مصالحهما، فطالبان تدركُ صعوبة تسييرها لأجهزة الدولة في ظل الوضع الاقتصادي الراهن الذي يغلبُ عليه الأزمة، والولايات المتحدة رغم انسحابها، تريدُ منع أي هيمنة صينية أو روسية مرتقبة بتلك المنطقة، حتى لو اضطرها الأمر إلى زرع بعض القلاقل والبلابل بين مكونات ألمجتمع الأفغاني. ومن الواضح أن تركيا وقطر، بحكم علاقتهما المتميزة مع كل من طالبان والغرب ستكونان مؤهلتان لقيادة وساطة يمكن أن تساهم في تسريع وتيرة حدوثِ الاعتراف الدولي. وفي هذا الصدد، فقد حقق التنسيق بين تركيا وقطر نجاحا على أرض الواقع في مسالة حل أزمة مطار كابل الذي أعيد تشغيله. وهذه الوساطة القطرية التركية قد تضمنُ التعامل مع نسخة مغايرة لطالبان أكثر مرونة وقدرة للتعامل مع الغرب في ملفات حقوق المرأة والهجرة والإرهاب، خاصة في ظل وجود أعداء مشتركين ك”تنظيم الدولة الإسلامية بـخراسان”، الذي ظهر تهديده في العمليات الانتحارية التي نفذها في مطار كابل قبيل انتهاء الانسحاب الأمريكي. وقد سارعت أمربكا إلى الرد وإعطاء نموذج لشكل عملياتها العسكرية المستقبلية “المنخفضة التكلفة” باستهداف كوادر التنظيم بطائرات مسيرة.
ثالثا- تركيا : رغم أنه ليست لديها حدود مع أفغانستان، فإنه قد يكون لها ثقل، لعدة أسباب، فهي الدولة الإسلامية الوحيدة العضو في “الناتو” ولديها أواصر عرقية وثقافية وتاريخية ومذهبية مع أفغانستان التي تعد ذا أهمية كبيرة في تعزيز نفوذها بمنطقة آسيا الوسطى، فتركيا تتهيأ لتثبيت موطئ قدم في ساحة جديدة تتزاحم فيها أكثر من جهة دولية لتأمين المصالح والنفوذ، وهي مدفوعة بعدة عوامل نذكر منها : 1- تعزيز قنوات الاتصال مع آسيا الوسطى الحيوية تحت مظلة الإستراتيجية التركية التي تقدم نفسها كبديل للشريك الروسي التقليدي. احتواء النفوذ الإيراني المتوقع تصاعده مع العودة المحتملة للاتفاق النووي، وضع نفسها على الشريان الرئيسي لمبادرة “الحزام والطريق” الصينية، وتقديم نفسها كزعيم للدول الناطقة بالتركية. 2- تقديم تركيا نفسها كمدافع عن مصالح “الناتو” والولايات المتحدة بعد انسحابها من أفغانستان قي أفق تحسين العلاقات المتوترة معها بسبب نشاطات تركيا الخارجية والاتجاه نحو روسيا والصين. 3- جني مكاسب مالية واقتصادية من عوائد الخدمات الأمنية وصفقات الإعمار وتسويق المنتجات التركية والاستثمارات المتعددة. وبالرغم من وجود تحديات متنوعة منشأها ضبابية المشهد السياسي، والتعقيدات الميدانية، وتعدد الفاعلين الدوليين والإقليميين في الساحة الأفغانية، تراهن تركيا على كسب موقع مهم على الساحة الأفغانية مستقبلا استنادًا إلى عدة عوامل : 1- الروابط التركية-الأفغانية على المستوى الشعبي والرسمي التي ترسخت عبر التغلغل والتواصل مع الجماعات العرقية المتنوعة والمكونات السياسية المختلفة كطالبان وحزب الجمعية الإسلامية والحزب الإسلامي، ودعم الأقلية الناطقة بالتركية كالأوزبك والتركمان. وزيادة المنح الدراسية التركية للطلاب الأفغان، وإقامة مدارس تركية بالبلاد، وتدريس اللغة التركية، وإنشاء المؤسسات الصحية المجانية، وبث البرامج والأفلام التركية، وتقديم الاستشارات الثقافية، وتدريب الموظفين، وإنشاء قنصليات عامة في عدة مناطق كهرات وقندهار لتسهيل التواصل مع المكونات العرقية المختلفة…. 2- التجربة الميدانية التي راكمتها القوات التركية في أفغانستان في إطار حلف “الناتو” والتي اقتصرت على مهام تأمين مطار “حامد كرزاي” الدولي، وتدريب وتأهيل القوات المحلية، وتقديم الإغاثة، دون الانخراط في العمليات العسكرية أو الاشتباك مع طالبان أو الجماعات المسلحة الأخرى في ساحة المعركة، باعتبار أنها قوات مسلمة جاءت لدعم الاستقرار ومساعدة الشعب الأفغاني. وبالتالي فإن قواتها لا ترتبط في ذهنية المواطن الأفغاني بالتورط في خسائر مدنية أو جرائم حرب. 3- الاعتماد على الحلفاء الإقليميين كباكستان والمجر وقطر للوصول إلى أهدافها. حيث تمتلك باكستان علاقات وثيقة مع طالبان تمكنها من التأثير عليها، بينما المجر –عضو الاتحاد الأوروبي الأقرب إلى تركيا– فمهمتها اجتذاب الدعم المالي والسياسي الأوروبي. وستستفيد تركيا كثيرا من تحالفها مع دولة قطر التي احتضنت مفاوضات السلام مع طالبان وتحضي باحترام كبير من طالبان والدول الغربية على السواء. 4- الدعم الأمريكي الذي يستند إلى ضرورة إيجاد من يرعى المصالح الإستراتيجية ويتحمل الأعباء الأمنية والسياسية لمرحلة ما بعد الانسحاب، والعمل على تطويق النفوذ الروسي والصيني والإيراني المتوقع تناميه بشكل كبير.
رابعا- روسيا : يعتبر استقرار أفغانستان أمراً بالغ الأهمية بالنسبة لروسيا لأنها تقع على حدود آسيا الوسطى، لذا فهي تركز على الحفاظ على الحاجز بين حدودها والتهديدات التي تراها ناشئة في أفغانستان. هذا الحاجز هو آسيا الوسطى حيث الجمهوريات السوفيتية السابقة. فقد رسمت روسيا اليوم خطاً واضحاً، على الحدود التركمانية والطاجيكية والأوزبكية، لا ترغب بعده في التدخل عسكرياً. فعلى الرغم من أنها قد أظهرت حرصاً على بذل كل ما في وسعها لمنع المزيد من تصعيد الصراع في أفغانستان فإنها تتجنب التدخل العسكري والعودة إلى أفغانستان، واتخذت نهجاً مختلفاً وفضلت أن تتفاوض مباشرة مع طالبان، رغبة منها في الحصول على ضمانات بأن نشاط طالبان لن يقتصر إلا على الأراضي الأفغانية، علما بأن وصول الحركة إلى السلطة في كابل قد يؤدي إلى تشجيع أنشطة الجماعات المسلحة في منطقة آسيا الوسطى، وبالتالي قد يشكل تهديدا أمنيا وقوميا لروسيا. فهي تنهج إستراتيجية “الترقب والحذر” والرغبة في عدم التدخل العسكري المباشر، وعينها كذلك على الوقوف في وجه أية محاولة صينية للتوغّل داخل آسيا الوسطى. إذ منذ اقتراب طالبان من السيطرة على أفغانستان، عززت موسكو نشاط القاعدة العسكرية الروسية في طاجيكستان، ووطدت قواتها في قيرغيزستان. فالمصلحة الجوهرية لروسيا داخل أفغانستان تكمن في الحول دون حدوث زعزعة استقرار المنطقة، وهي في نفس الوقت لا ترى مشكلة في التعامل مستقبلاً مع حكومة تسيطر عليها حركة طالبان.
خامسا- إيران : تتنوع مظاهر التموقع الإيراني في الساحة الأفغانية من المخدرات إلى الطائفية، ثم العلاقات المتشابكة مع طالبان وأمراء الحرب. فإيران التي يستهلك سكانها أعلى نسبة من مخدرات أفغانستان، تظل مجبرة على الاحتكاك بأفغانستان، أكبر منتج أفيون في العالم. فيما ستمكنها الروابط العرقية والمذهبية مع الأقليات هناك بأن تمارس نفوذها على المجموعات العرقية الرئيسية في أفغانستان بمن فيهم الطاجيك والهزارة “الشيعة”. وعلى مرّ السنوات الماضية ربطت إيران علاقات جيدة ببعض أمراء الحرب المحليين في أفغانستان، مثل “أحمد مسعود”، نجل “أحمد شاه مسعود”، حليف طهران الراحل والعدو اللدود لطالبان، و”صلاح الدين رباني”، نجل “برهان الدين رباني”، زعيم “حزب الجمعية الإسلامية”. وقد كان من المعروف أن إيران ناصبت حركة طالبان العداء منذ سيطرة الأخيرة على السلطة في سنة 1996، ودعمت التحالف الشمالي المناهض لها وساهمت بطريقة أو بأخرى في إسقاطها سنة 2001، لكن إيران بعد هذا بذلت، خلال السنوات القليلة الماضية، جهوداً حثيثة لبدء علاقة جديدة مع طالبان “الأخف ضررا بالنسبة إليها”، وذلك لعدم رغبتها في وجود أمريكي طويل الأمد بأفغانستان وخوفها من تصاعد خطر تنظيم “داعش في ولاية خراسان”. فإيران تسعى إلى تأمين حدودها الممتدة لـ 572 ميلاً مع أفغانستان بتعزيزات عسكرية وتدرس خيارين رئيسيين : إما دعم سيطرة طالبان سراً أو علناً، مع التوصل إلى اتفاقيات تكتيكية وإستراتيجية معها من أجل احتواء أنشطتها، أو شن حرب بالوكالة كما تفعل في جنوب لبنان والعراق واليمن، عبر لواء “فاطميون” الشيعي في أفغانستان.
سادسا- باكستان : تعود علاقات باكستان بحركة طالبان إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما وفرت لها الأسلحة والتدريب والاستخبارات واعترفت بها سنة 1996، وكانت ملاذا للفارين من عناصرها بعد سقوط نظامها سنة 2001. وتعتبر باكستان أن حركة طالبان وثيقة تأمين للوصول إلى أهدافها الإستراتيجية الطويلة الأمد في أفغانستان، وهي : 1- تسوية الخلاف الحدودي بين أفغانستان وباكستان القائم حول خط “دوراند”، الذي يفصل بين المناطق القبلية الباكستانية عن أفغانستان. 2- إخماد قضية القومية البشتونية التي طالبت بإقامة دولة مستقلة “باشتونستان” منذ أربعينيات القرن الماضي، بعد سيطرة طالبان (الذين ينتمون إلى نفس القومية) على مقاليد السلطة على جل افغانستان. 3- تقويض النفوذ الهندي في أفغانستان الذي يهدد امن باكستان القومي. 4- إحياء الدعم الأمريكي لها كمكافأة لدورها المُيسِّر للصفقة التي أبرمتها أمريكا مع طالبان.
5- مقومات نجاح طالبان في الحكم.
بسيطرتها على جميع الأراضي الأفغانية، تكون طالبان قد حققت انتصارا “عسكريا” مهما بعد 20 سنة من الحرب ضد أمريكا وحلف “الناتو”. أما الولايات المتحدة الأمريكية التي خسرت أكثر من تريليوني دولار وآلاف القتلى من جنودها، فقد حققت إنجازا “أمنيا” مباشرا، وهو ضمانها عدم تحول الأراضي الأفغانية إلى نقطة هجوم عليها مستقبلا، وهو أهم البنود الموقعة بينها وببن طالبان في اتفاق الدوحة.
ويمكن ملاحظة أن لدى طالبان رؤية تدبيرية مختلفة تمامًا عما كانت في التسعينيات من القرن الماضي. فبعد يومين من سيطرتها على كابل، أعلنت طالبان العفو العام عن موظفي الدولة بمن فيهم من تعامل مع القوات الأمريكية، ودعت النساء إلى المشاركة في حكومتها المرتقبة، وتعهدت بألا تكون الأراضي الأفغانية منطلقا للإضرار بأي دولة أخرى. وهي حتى هذه اللحظة، تدير المرحلة بانفتاح على جميع الأطراف.
ومن المرجح أن حركة طالبان ستواجه صعوبة في الحصول على شرعية دولية لحكومتها، في ظل انقسام المجتمع الدولي حولها بين “صقور” و”حمائم”. إذ أن هناك ثمة ارتباك شديد لدى المجتمع الدولي في طريقة تعامله مع طالبان وحكومتها المستقبلية، انطلاقا من الموقف الفرنسي المتشدد، إلى الموقف الأمريكي والبريطاني الأقل تشددا، ثم إلى الموقف المعتدل لمفوض السياسية الخارجية للاتحاد الأوروبي “جوزيف بوريل”، الذي اعترف صراحة بأن طالبان انتصرت ويجب التعامل معها. ويشكل الموقف الروسي، المتأرجح بين الترحيب والتحذير، إرباكًا لحركة طالبان بسبب التناقضات الكبيرة في العلاقة بين روسيا وأفغانستان. أما الموقف الصيني، فيعد الموقف الأكثر انفتاحا، إذ أعلنت الصين سريعًا أنها تريد إعادة العلاقات مع أفغانستان التي تحتاج إلى إعادة إعمار وبناء الاقتصاد المنهار.
وإذا استطاعت حركة طالبان النجاح في عملية التنمية الشاملة وإعادة الإعمار، فهذا هو الأمر الوحيد الذي سيضمن نجاحها في الحكم. وسيلعب العامل الأمني الذي تعمل طالبان على فرضه على الأرض بقوتها العسكرية، دورا محوريا في هذا النجاح. فطالبان لديها الأمن، وهو شرط أساسي لعملية التنمية، لكنها يجب أن تنجح في تحقيق اختراقات على الساحة الدولية والاستفادة بذكاء من التوازنات الإقليمية بما يخدم المصالح الوطنية، وكذلك الانفتاح الإيجابي على المكونات الداخلية وتحقيق المصالحة الوطنية.
إنه التحدي الأكبر أمام حكم طالبان في المستقبل.





