تسارع روسيا خطواتها لتعزيز علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول آسيا، في ظل تراجع علاقاتها مع الدول الغربية على خلفية الحرب في أوكرانيا، وتسعى موسكو إلى فتح مسارات جديدة للتجارة والاستثمار والطاقة، بما يعيد رسم خريطة شراكاتها الدولية.
وأشار مراسل الجزيرة أمين درغامي إلى أن مدينة فلاديفوستوك، الواقعة على ساحل المحيط الهادئ، تبرز بوصفها إحدى أبرز بوابات روسيا نحو آسيا.
فقد تأسست المدينة في منتصف القرن التاسع عشر موقعا عسكريا، قبل أن تتحول تدريجيا إلى مركز اقتصادي وتجاري وجيوسياسي يربط روسيا بمحيطها الآسيوي.
ويظهر الحضور الآسيوي في المدينة ومينائها على أكثر من مستوى، ولا سيما بعد انضمام اليابان وكوريا الجنوبية إلى العقوبات الغربية المفروضة على روسيا بسبب حرب أوكرانيا، وهو ما عزز أهمية الصين بالنسبة إلى موسكو.
ومع ذلك، تشهد حركة الحاويات عبر ميناء فلاديفوستوك، الأكبر في روسيا، نموا ملحوظا، بما في ذلك حركة تجارية مع اليابان وكوريا الجنوبية، في مؤشر على استمرار بعض الروابط التجارية رغم التوترات السياسية.
وتسعى موسكو إلى دفع هذه الحركة التجارية من خلال برنامج لتنمية الشرق الأقصى، يتضمن تطوير خطوط نقل وممرات بحرية تربط روسيا بآسيا عبر القطب الشمالي وفلاديفوستوك.
وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن بلاده أنفقت نحو 25 تريليون روبل (297 مليار دولار تقريبا) على تنمية منطقة الشرق الأقصى، وطبقت أنظمة تفضيلية في المنطقة وفي القطب الشمالي، كما تعمل على تطوير خط ملاحي يربط سان بطرسبرغ بالقطب الشمالي وصولا إلى فلاديفوستوك وجنوب شرق آسيا.
وأضاف بوتين أن الظروف الدولية ومخاطر الملاحة تجعل تطوير هذا الخط وسيلة لتعزيز مرونة الإمدادات وأمنها، وفتح فرص جديدة أمام حركة التجارة العالمية.
لماذا تعزز موسكو شراكاتها مع الشرق؟
ودفعت الظروف الدولية روسيا كذلك إلى تنويع شراكاتها الآسيوية، إذ تطورت العلاقات مع كوريا الشمالية من التعاون العسكري والأمني إلى مجالات تجارية، وبلغت ذروتها في صيف عام 2024 بتوقيع اتفاقية دفاع مشترك، قبل مشاركة عسكريين كوريين شماليين في معارك منطقة كورسك الحدودية مع أوكرانيا، وفق ما ورد في التقرير.
وفي المقابل، حافظت روسيا على تعاون تجاري مع الهند، مع تنامي اعتماد نيودلهي على النفط الروسي، في إطار إعادة توجيه جزء من صادرات الطاقة الروسية نحو الأسواق الآسيوية بعد تراجع العلاقات التجارية مع أوروبا.
وتشير المعطيات الواردة في التقرير إلى تضاعف حجم التعاون الروسي مع الدول الآسيوية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، بالتزامن مع انكماش العلاقات التجارية مع أوروبا بنحو الضعف، وهو ما يعكس تحولا واضحا في أولويات موسكو الاقتصادية.
ويشكل منتدى فلاديفوستوك الاقتصادي إحدى المنصات الرئيسية التي تسعى روسيا من خلالها إلى ترسيخ توجهها نحو آسيا، إذ بات المنتدى مساحة لعرض فرص الاستثمار والتجارة وتعزيز الشراكات مع الدول الآسيوية، في وقت يتراجع فيه الحضور الغربي نتيجة سنوات من التوتر والصراع.
ولا تقدم روسيا توجهها نحو آسيا باعتباره تخليا نهائيا عن أوروبا، إذ يرى الخبير الإستراتيجي أليكسي ماسلوف أنها تعمل حاليا مع الدول الآسيوية على بناء نمط جديد من العلاقات الدولية، معتبرا أن موسكو لم تتخل عن أوروبا، بل إن الدول الأوروبية أغلقت أبوابها أمامها.
وقال ماسلوف إن التعاون الروسي الآسيوي يقوم على حوار متكافئ، وأنه يحمل فرصا في مجالات متعددة، رغم وجود تحديات أمام الأطراف المشاركة في هذه الشراكات.
هل تقود الصين التحول الروسي نحو آسيا؟
وتبقى الصين المحور الأبرز في التحول الروسي نحو الشرق، بعدما أصبحت خلال العقد الأخير أكبر شريك تجاري وطاقة ولوجستيات لروسيا، فيما عزز التقارب السياسي بين البلدين توسع التعاون في مجالات متعددة.
وقال رئيس اتحاد رواد الأعمال الصينيين في روسيا جو لي تسيون إن الصين كانت خلال السنوات العشر الماضية أكبر شريك تجاري لروسيا، متوقعا أن يقترب حجم التبادل التجاري بين البلدين من 300 مليار دولار سنويا، مشيرا إلى أن آفاق التعاون لا تزال واسعة، بدعم من تطور البنية التحتية في الشرق الأقصى الروسي ووجود علاقات سياسية جيدة بين موسكو وبكين.
ومع توسع الشراكات الآسيوية وتزايد حضورها في حساباتها، تعيد روسيا صياغة خريطتها الاقتصادية والسياسية في اتجاه الشرق، مستفيدة من موقعها الجغرافي الممتد بين أوروبا وآسيا، ومن حاجتها إلى إيجاد أسواق ومسارات جديدة في ظل القطيعة المتزايدة مع الغرب.
ويبقى التحول الروسي نحو آسيا أمام اختبار مدى قدرته على توفير بدائل مستدامة للعلاقات الاقتصادية والسياسية التي تراجعت مع الغرب، وما إذا كان الشرق يمكن أن يصبح بديلا واسعا لموسكو، أم أنه سيظل شريانا ضروريا لإعادة تموضع روسيا في النظام الدولي.
المصدر: الجزيرة





