هل يكتفي “تحالف اليسار” بثمانية مقاعد “مٌزعجة” أم ينجح في بناء تحالفات تقود لتشكيل فريق نيابي يُذَكِّر بـ”الأيام الخوالي” للمعارضة الاشتراكية؟

إيطاليا تلغراف متابعة

أعادت نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت يوم الأربعاء 23 شتنبر، ترتيب موازين القوى داخل مجلس النواب، حيث لم تقتصر التحولات التي أفرزتها صناديق الاقتراع فقط على صعود حزب الأصالة والمعاصرة إلى صدارة المشهد بـ97 مقعدا، أو عودة حزب العدالة والتنمية إلى واجهة المؤسسة التشريعية بـ54 مقعدا، وإنما فتحت أيضا حسابا جديدا داخل اليسار المغربي، يتعلق بمدى قدرة مكوناته المتفرقة على تحويل حضورها الانتخابي إلى قوة برلمانية مشتركة قادرة على فرض وزنها داخل الولاية التشريعية المقبلة.

وفي قلب هذا الحساب يقف “تحالف اليسار”، الذي جمع الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي، بعدما تمكن في انتخابات 23 شتنبر من رفع تمثيليته إلى ثمانية مقاعد، موزعة بين ثلاثة مقاعد محلية وخمسة مقاعد جهوية، مقارنة بمقعدين فقط كان الحزبان ممثلين بهما في مجلس النواب خلال انتخابات 2021، وهي النتيجة التي تمنح التحالف حضورا عدديا أكبر داخل المؤسسة التشريعية، كما تضعه أمام اختبار سياسي جديد يتعلق بما إذا كان سيكتفي بتدبير هذا الرصيد ضمن مجموعة نيابية موحدة، أم سيحاول البناء عليه باتجاه صيغة أوسع تجمع مكونات يسارية أخرى.

بيد أن المعطى اللافت في الحساب البرلماني الجديد لا يتعلق بمقاعد تحالف اليسار وحده، وإنما بما يمكن أن ينتج عن جمع هذه المقاعد مع أرصدة أحزاب أخرى تصنف ضمن التوجه اليساري والتقدمي في مقدمتها حزب التقدم والاشتراكية وجبهة القوى الديمقراطية إلى جانب حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

فحزب التقدم والاشتراكية حصل، وفق النتائج المعلنة، على 19 مقعدا، أي أقل بمقعد واحد فقط من العتبة المحددة لتشكيل فريق نيابي، بينما حصل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26 مقعدا، وحصلت جبهة القوى الديمقراطية على مقعدين، وبالحساب العددي، فإن جمع مقاعد الأحزاب المذكورة يصل إلى 55 نائبا، وهو الرقم الذي يتجاوز بمقعد واحد الرصيد الذي حققه حزب العدالة والتنمية، والبالغ 54 مقعدا، وفق النتائج المعلنة.

ولا يعني هذا الحساب، بطبيعة الحال، أن جبهة نيابية معارضة من هذا الحجم أصبحت قائمة فعلا، لكنه يكشف عن إمكانية جديدة تتيحها الخريطة التي أفرزتها الانتخابات، إذ أن الانتقال من الأرقام المتفرقة إلى كتلة نيابية واحدة يحتاج إلى تفاهم سياسي وتنظيمي بين أحزاب لها تجارب ومواقف وتقديرات مختلفة، كما أن تشكيل فريق نيابي يظل مرتبطا بالقواعد المنظمة لعمل مجلس النواب. 

وبحسب القواعد المنظمة لعمل مجلس النواب، يحتاج أي حزب إلى 20 نائبا على الأقل لتشكيل فريق برلماني مستقل، وبما أنه مثلا حزب التقدم والاشتراكية حصل على 19 مقعدا فقط، فإنه يفصله مقعد واحد عن بلوغ العدد المطلوب لتشكيل فريق بمفرده، لذلك، فإن التحالف مع مكونات برلمانية أخرى يمكن أن يمنحه العدد اللازم لتشكيل فريق، ويفتح أمامه في الوقت نفسه إمكانية العمل داخل صيغة برلمانية أوسع.

وكانت فكرة جمع مكونات اليسار في إطار تحالفي أوسع قد طُرحت بالفعل قبل الانتخابات، غير أن الاختلافات حول طبيعة التحالف وحدوده، ولا سيما بشأن المشاركة الحكومية، حالت دون ولادة صيغة مشتركة تضم التقدم والاشتراكية إلى جانب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار قبل الاقتراع، وهو الأمر الذي تناولته “الصحيفة” في تقارير سابقة، تطرقت باسهاب لأسباب تعثر المشروع بصيغته الواسعة.

وفي هذا السياق، قال جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، في تصريح لـ”الصحيفة”بشأن امكانية تشكيل “جبهة برلمانية يسارية” معارضة بالبرلمان، إن الإطار التحالفي الذي يعتبره قائما في المرحلة الحالية هو “تحالف اليسار”، باعتباره يجمع الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي حول عدد من المبادئ والأهداف السياسية. 

وأوضح أن أي تحالف محتمل لا ينبغي أن يقوم فقط على تقاطع ظرفي، وإنما على أساس برنامج سياسي واضح، مشيرا إلى أن تصور التحالف يقوم، بحسب تعبيره، على “السيادة الشعبية” وما يرتبط بها من إصلاحات سياسية ودستورية، وعلى “السيادة الوطنية” التي يربطها بموقفه من “التطبيع”، مضيفا أن المشروع لا يقتصر، وفق تصوره، على العمل المؤسساتي، وإنما يشمل أيضا الحضور في الشارع والنضال من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

وفي حديثه عن إمكان توسيع هذا الإطار، أشار العسري إلى أن حزب التقدم والاشتراكية كان قد عبّر في مرحلة سابقة عن رغبة في الدخول في تحالف مع هذه المكونات، غير أنه ربط أي خطوة من هذا النوع بمواقف الأطراف من القضايا والمرتكزات التي يقوم عليها المشروع السياسي لتحالف اليسار، لافتا إلى أن الباب السياسي لمثل هذا النقاش ليس مغلقا، لكنه في الوقت نفسه يضع شروطا تتجاوز الحساب العددي للمقاعد.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...
Global site tag (gtag.js) - Google Analytics