الدكتور شنفار عبدالله(*)
في التدين؛ كتصريف لمبادئ الدين؛ نجد بكلمة واحدة يأمر بها من يؤم الناس الصلاة؛ وهي: “استووا”؛ حتى ينتظم المصلون في خشوع وصفوف مستوية ومستقيمة. وبنفس الكلمة في النظام العسكري؛ نجد: “انتباه”؛ أو ردوا “بالْكُمْ”؛ حتى ينتظم آلاف الجنود صفا واحدا مستقيما في انضباط تام دون اعوجاج.
لكن إقامة الصلاة شيء! أمَّا؛ أداء الصلاة؛ فهو شيء آخر مختلف عنه!
فداخل المسجد خشوع وصوت خافت ومصافحة الجالس إلى جنبك ويمينك، وخشوع وأخلاق وفِيّم؛ وأحيانا إجهاش بالبكاء من صوت رائع في تجويد القرآن.
ومن المفارقات أيضا؛ ان نجد الأحذية التي تفوح منها رائحة الارجل والجوارب جنبا لجنب مع المصلي أو أمامه، يشتم رائحتها المصلين؛ خوفا من سرقتها! أو تركها بمدخل بوابة المسجد بطريقة غير منتظمة مبعثرة.
وبمجرد الخروج من الصلاة بعد ان يسلم الامام؛ أمام باب المسجد تسمع الحديث والجدال بصوت صاخب ومرتفع؛ والخصام؛ وبائع متجول يصيح بأعلى صوته لجلب الزبناء من المصلين لاقتناء الخضر والفواكه والسلع من البخور والعطر والاقمشة البيضاء الزاهية وعود الارك لفرك الاسنان وبعض الكتيبات الصغيرة الحجم تحمل اسماء الله الحسنى وآية الكرسي والدعاء الصالح ودعاء السفر ودعاء تفادي العين والسحر والحسد…؛ وتغيب وتندثر كل اساليب الخشوع والمصافحة التي كانت بداخل المسجد قبل قليل.
وترى من يمتطي سيارته ويطلق العنان لمنبه السيارة (الكلاكسون) الخاص بتنبيه الحيوانات؛ لتنبيه البشر الذي يقطع الطريق دون احترام ممرات الراجلين من كلا الطرفين، يرمي بالازبال من خارج نافذة السيارة ولا يحترم اشارة المرور والضوء الاحمر وعلامة “قف” واسبقية اليمين؛ وعلامة التشوير الافقي والعمودي وتحديد السرعة؛ الا اذا شاهد هناك شرطي المرور! في حين كان حريا به احترام القانون حتى في غياب الشرطي او الدركي.
وهذا يحيل الى احترام القانون المغشوش تجاه الناس وكذا الايمان المغشوش تجاه الله عز وجل؛ ودليل على أزمة القيم لدى الناس.
صلاة الابهة والمظاهر والتباهي في العطاء جهرًا وعلانية وأمام كاميرات الهاتف؛ وننسى كونه شرط الحق المعلوم للسائل والمحروم.
في عز شهر رمضان؛ شهر الرحمة والغفران؛ تشاهد الرقم القياسي من المشاحنات والمخاصمات والاشتباكات بالايدي وحتى التناطح والتساطح بالسيارات.
تلك هي هشاشة القيم وضعف المناعة لدى الناس.
لدينا خطاب الحداثة؛ ولدينا خطاب التمدح بالقيم؛ ولدينا خطاب الأصالة والمعاصرة؛ لكن على مستوى الفعل والواقع بقيت القيم عالقة عند مستوى مساحة المدح والتغني، دون أن تعرف تنزيلا وتصريفا على مستوى الواقع.
وبالتالي هناك مفارقات كبرى بين الفكر والواقع.
فكيف السبيل إلى مفاتيح الغيث وتجاوز حالة العجز المتعدد الأبعاد في حال خير الامة التي أخرجت للناس؟
(*)مفكر وباحث مغربي





