المعلومة والتوظيف السياسي والاقتصادي.. قاعدة قديمة ثابتة بتنزيل متطور من هدهد سليمان إلى برنامج (بيغاسوس)
*الدكتور شنفار عبدالله
المعلومة والتوظيف السياسي؛ قاعدة قديمة وثابتة؛ لكن بتنزيل متطور؛ وحرب المعلومات منذ عهد هدهد نبي الله سليمان عليه السلام؛ مرورًا بعميل مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) (إدوار سنودن) ومكعبه (روبيك) وصولًا لبرمجية (بيغاسوس) الإسرائيلي. فماذا يقصد بالحرب السايبيرانية أو حرب المعلومات؟ هذا السؤال المرتبط بسؤال ابستمولوجي آخر وهو: العلم أو التكنولوجيا الحديثة؛ إلى أين؟ وعلى ماذا يعتمد هذا النوع من الحروب بلا سلاح وبلا دم؟
وباستحضار العميل الأمريكي (إدوارد جوزيف سنودن) الذي وجهت له تهمة التجسس وسرقة ممتلكات حكومية ونقل معلومات تتعلق بالدفاع الوطني بواسطة (مكعب روبيك) أو المكعب السحري؛ دون إذن والنقل المتعمد لمعلومات مخابرات سرية لشخص غير مسموح له بالاطلاع عليها؛ وبين الوهم والحقيقة في تطبيق أو برمجية (بيغاسوس) (Pegasus) الإسرائيلي الذي يقال عنه أنه برنامج تجسسي يُمكِن تثبيته على أجهزة تشغيل بعض إصدارات نظام (آيوسios) (آبل) أو أي نظام آخر يدعم (الاندرويد)، من أجل التجسس على الشخص المستهدف ومعرفة ما يقوم به على هاتفه المحمول والاطلاع على ملفاته الشخصية وكل الصور أو الوسائط التي يحتفظ بها في الجوال؛ نجد عبر التاريخ هناك مخلوقات عجيبة ذكرها لنا القرآن الكريم، كانت متخصصة في نقل أو جلب المعلومات والاستخبارات والإخبار والتجسس والتحسس.
هذا؛ ويمكن استحضار عدة آيات قرآنية في هذا الاتجاه. نحن هنا لما نرجع إلى القرآن الكريم؛ ليس لدراسته كأحداث ووقائع في الماضي؛ لا أبدًا؛ بل نستحضره ونتخذه منهج حياة لاستخراج مادة للتنميط والقياس واستلهام العبرة، ومن أجل فك لغز في الحاضر يفيد الأمة في شيء ما، استعصى فهمه.
نجد في سورة الحجر: (إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ). وبالتالي من الصعب الوصول إلى المعلومة دون ركوب المخاطر. ففي البحث عن المعلومة صعوبة كبيرة جدًا؛ فإذا افتضح أمر الجاسوس؛ فهو يعرف أن عقوبة الإعدام في انتظاره. ففي سورة الصافات: (إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِب).
وفي سورة الجن نجد قوله تعالى: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا). وهناك استراق السمع أو (التنصّت). وهنا نشير إلى أن الكثير يستعمل كلمة “التصنّت” قاصدين بها استراق السمع، أو التجسس على أحاديث الآخرين، وهذا المصطلح صَنَتَ لم يرد في لسان العرب بهذا المعنى؛ إنما الذي ورد نَصَتَ ينصُت، من الإنصات؛ نجد في قول الله تعالى: (وإذا قُرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا.) فالصواب إذن أن نقول التنصّت والفعل منه تنصّت. (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا). وفي سورة الدخان نجد الحافظ رقيبًا؛ مصداقًا لقوله تعالى: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ.)
ونجد في سورة يوسف: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا). وجمع الخبر يتطلب الكثير من الانسان الصبر والتتبع وبشكل جد مضني؛ عبر مسلسل ومسارات محددة ومضبوطة وبدون تسرع وبدون تماطل أو تهور أيضا.
ونجد أيضًا في سورة النمل: (فمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ.)؛ وحيث أن الخبر يحتمل الصدق والكذب؛ فقد رد عليه نبي الله سليمان بالقول على لسانه كما جاء في القرآن الكريم: (قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ.)؛ وهذا يعني بتمغربيت أن نبي الله سليمان لم يكن: (بو ودينة واحده) على الرغم من أن الهدهد قد سكنه نوع من الاستعلاء والاستكبار في تضخيم الخبر الذي نقله بدقة متناهية من خلال وصفه بالخبر اليقين؛ ومخافة أن يكون قد ألحن في حجته بالزيادة أو النقصان أو الحذف والتمرير أو الحجب؛ فقد أرسله نبي الله سليمان مرة أخرى محملًا بكتاب ويرقب عن بعد؛ فقط؛ ليلاحظ ردة فعل قوم ملكة سبأ كما جاء في القرآن الكريم: (اذْهَب بِّكِتَابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ.)
ويا لها من روعة في التتبع وتقييم وتحليل المعلومة التي جاء بها الهدهد.
فالحروب لم تعد تلك المواجهات التقليدية التي تستخدم منظومة معينة من الجيوش مدججة بالسيوف والنبال والرماح والمجانيق؛ مرورًا بالآليات والدبابات والطائرات والصواريخ… وغيرها من الأسلحة المتطورة؛ بل أصبت عبارة عن حروب في عالم افتراضي سلاحه الفيروسات الاليكترونية من نوع (الطورجان الثلاثي الأبعاد)؛ هذا الحصان الذي بواسطته تم اختراق جدار الأمان لقلاع طروادة المدينة اليونانية القديمة المحصنة المعروفة حاليًا بمنطقة الأناضول في تركيا. وبالرقائق الاليكترونية التي بواسطتها تتم عمليات الاختراق والولوج إلى نظام المعالجة الآلية للمعطيات عن طريق الاحتيال وعرقلة سير عمل هذه الأنظمة من خلال إحداث اضطرابات بها وتغيير طريقة معالجتها عبر التحكم المروري فيها عن بعد.
وبالتالي فإن الحروب لم تعد تلك الحروب التقليدية بالأسلحة المدمرة؛ بل حروب نجد متفجراتها وحقول قنابلها الموقوتة تحت رجلينا وبمنازلنا ونحملها معنا في عنقنا وبين أيدينا.
فبقدر ما نفعل؛ ننتج كمًّا وتراكماً من المعلومات، ونصنع بها الأحداث والتاريخ؛ فلتكن أحداثًا وتاريخًا مليئًا بالأمجاد، لا تاريخًا مليئًا بالأخطاء والكراهية والأحقاد؛ قد تكلفك حريتك بين الأفراد.
لكن ما هو الدور الذي تلعبه أجهزة المراقبة في مختلف الدول؛ من جهاز أمن ومدرسة ومؤسسات سجنية؛ وغيرها… من الأجهزة التي تتولى حماية المواطنات والمواطنين وحماية أوطانها وحدوها واقتصاداتها ومصالحها؟
كيف هي نظرة المواطن لهذه الأجهزة؛ ولماذا يختزل دورها في كلمة جاسوس أو (بركاك)، وإلباس الكثير من العيوب وشتى النعوت بها وكأنها في عالم الغاب أو كوكب آخر؛ الذي تسود فيه ملائكة؛ يخدمها ويحكمها شياطين؟
هل الوسائل التكنولوجية المتطورة كافية للاستغناء عن جنود الخفاء المشاة في الأرض والميدان؟ ما هو الدور الذي تلعبه المعلومة في حياة الأفراد والجماعات؟
فكم من مرة أصيب مشروع أمة بكاملها بانتكاسة؛ وكم مرة أصيب مشروع قومي بإحباط وفشل كبير؛ لا لشيء؛ فقط في غياب وشح المعلومات الكافية والمتاحة؛ أو في تأخر وصول المعلومة وبعد فوات الأوان؛ أو من خلال إهمال أو سوء تحليل أو تقدير للمعلومة المتوفرة.
ما معنى أن تحمل معك بطاقة ائتمان أو هاتفًا محمولًا مزود بتطبيقات خاصة من وسائط أو وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من الخدمات؟
ما معنى تطبيق واتساب الذي بيع بحوالي 20 مليار دولار أمريكي؟ هل هذا هو ثمن التطبيق الخفيف جدًا، الذي يتم تحميله بالمجان؟ أم ثمن ما يحمله من كم هائل من معلومات حول ملايين الأشخاص في العالم بمختلف لغاتهم ودياناتهم ومعتقداتهم وصورهم؟ ما معنى تطبيق فيسبوك وإنستغرام؟ ما معنى تطبيق توتير؟
هذه الوسائط هي عبارة عن تجارة جني الملايين من الدولارات يوميًا من خلال الرسائل القصيرة وفتح وولوج مختلف الروابط الاليكترونية وعمليات الاشهار. بالإضافة إلى معرفة نوع الاختيارات ومركز اهتمامات الأفراد والشعوب والمجتمعات؛ من ملبس ومأكل ونوع الماركات المفضلة… وغيرها؛ وبذلك تعمل شركات عظمى وكبرى على تنميط السلوك الاستهلاكي لدى الأفراد؛ وهذا ما نشاهده في طريقة وشكل ونمط تناول مشروب (كوكاكولا) مثلًا الذي لا تختلف طريقة تناوله وإشهاره بشكل موحد عبر أنحاء العالم في شيء.
تحمل المعلومة في حد ذاتها، العديد من المتناقضات المنطقية التي تتطلب فك شيفراتها. فمعرفة الأفراد بشكل أفضل يتطلب دراسة دقيقة لمعرفة نقط قوة الأشخاص ونقاط ضعفهم: وقوة النفوذ؛ وقوة التأثير؛ وقوة الاستقطاب؛ ونقاط ضعف متعلقة بحب المال؛ ونقاط ضعف متعلقة بالفساد؛ ونقاط ضعف متعلقة بتناول المخدرات والكحول؛ وحب ممارسة القيادة؛ ونقط ضعف متعلقة بحب مصاريف الأبهة والكرم الحاتمي؛ ونقط ضعف حب التقرب من السلطة وحب نقل الأخبار.
هذا؛ وبفضل عدة علوم كالبيولوجيا والبيولوجيا العصبية وعلم النفس التطبيقي وعلم النفس التحليلي وغيرها من التقنيات والتجار؛ هم يعرفون عنك أكثر مما تعرف أنت عن نفسك. وهذا ما يسمى بالحروب السيبيرية؛ أو ما أطلق عليه المفكر (نعوم تشو مسكي) استراتيجيات التلاعب بعقول الجماهير؛ عبر الاستراتيجيات العشر التي لخصها في: استراتيجية الإلهاء؛ وخلقُ المشاكل، ثم تقديم الحلول لها؛ واستراتيجية الدَّهْوَرة والقهقرة؛ واستراتيجية التأجيل؛ ومخاطبة الجماهير كأنهم أطفالًا صغارًا أو التطفيل؛ واللجوء إلى الجانب العاطفي، وليس إلى إعمال التفكير؛ وإبقاء الجمهور في الجهل والتجهيل والبلاهة؛ وتشجيع العامّة على الانغماس في التفاهة والسخافة والرداءة؛ وتعويضُ الثورة بالشعور بالذنب أو تقديم الملامة للنفس.
وهنا لا مجال للحديث عن الأخلاق والقيم والأفكار والمعاني. فنحن أمام حرب كل الأسلحة فيها غير ممنوعة وليست محظورة؛ وتستعين بتقنيات جد حديثة ومتطورة؛ يوظف فيها الحاسوب بشكل رئيسي.
هذا؛ ويمكن تقسيم هذه الحرب إلى أربعة أبعاد رئيسية، وهي:
البعد الأول لهذه الحرب: هو حرب المعلومات الشخصية؛ وتستهدف بالأساس الاعتداء وانتهاك الخصوصية عبر سرقة بياناتهم الشخصية من صور وفيديوهات وتسجيلات وأرقام وقن سري للحسابات الخصوصية البنكية والمالية والتجسس على بريدهم الإلكتروني، واستعماله من أجل الابتزاز والتشهير والإساءة لسمعتهم.
البعد الثاني في هذه الحرب: حرب المعلومات التجارية والتنافسية؛ التي تدور رحاها بين مجموعة من الشركات والمقاولات المتنافسة فيما بينها حول المنتوجات واحتكار السوق. وكمثال على ذلك الولايات المتحدة الأمريكية حين تلجأ إلى استعمال البند: 301 من مدونة التجارة لسنة 1974؛ واتفاقيات التجارة الخارجية بينها وبين مختلف الدول والذي يخول لوزير التجارة الأمريكي ردع كل ما من شأنه المس بالمصالح الاقتصادية لأميركا؛ وهنا نستحضر على سبيل المثال حماية شركة (آبل) من خلال منع عملاق التكنولوجيا (هواوي) من دخول أسواقها ومن الاستفادة من التحديث عبر استعمال شبكات الاتصالات الأمريكية ومحرك البحث كوكل (Google). ومثال الهجوم على شركات إسرائيلية من خلال هجوم اليكتروني عن بُعد… وغيرها من أشكال الحروب الخفية والمعلنة وما ظهر منها وما بطن.
البعد الثالث للحرب: هو حرب المعلومات التي تقع بين دولة وأخرى على المستوى العالمي، والتي من خلال حرب الاستخبارات والتجسس والسيطرة والقرصنة الإلكترونية وسرقة أسرار دولة ما واستخدام وتوجيه هذه الترسانة من المعلومات الفائقة السرية كسلاح ضد الخصم أو الخصوم.
نستحضر مثالًا على ذلك؛ حرب أمريكا على العراق وما صاحبها من ترسانة إعلامية تضليلية؛ كإشاعة توفر العراق على سلاح نووي مدمر وانسياق المنتظم الدولي حول هذا التصور المغلف بمحاربة ظاهرة الارهاب، الذي وظفه (ديك تشيني) نائب رئيس أمريكا و(كونداليزا رايس) مستشارة الأمن القومي للولايات المتحدة الامريكية والرئيس الأمريكي (جورج بوش) ووزير الدفاع الأمريكي (دونالد رامسفيلد) في الإدارة الأمريكية. بإيعاز من مفكرين ومثقفين انخرطوا في هذه المغالطات؛ ونذكر منهم (فرنسيس فوكوياما) من خلال علاقته بالمحافظين الجدد لفترة طويلة حيث اعتبر واحدًا من منظري المحافظين الجدد (New-conservatives)؛ حيث أسس هو ومجموعة من هؤلاء في سنة 1993 مركزًا للأبحاث، عرف آنذاك بمشروع القرن الأميركي، وقد دعا هو ورفاقه الرئيس الأمريكي السابق (بيل كلينتون) إلى ضرورة التخلص من نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين.
وقد وقع على خطاب مماثل وجه إلى الرئيس بوش في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، حتى وإن لم يوجد ما يربط نظام المرحوم صدام حسين بمنفذي الهجمات.
وكان (فوكوياما) خلال تلك الفترة مؤمنًا بضرورة التخلص من جميع الأنظمة الاستبدادية بالقوة؛ خاصة في حالة الشرق الأوسط.
هذا؛ وقد طرأت تحولات على مواقف وقناعات (فوكوياما) في نهاية سنة 2003، حين تراجع عن دعمه لغزو العراق، ودعا إلى استقالة وزير الدفاع الأمريكي في ذلك الوقت؛ (دونالد رامسفلد) وأعلن عن احتمال تصويته ضد الرئيس بوش في انتخابات الرئاسة للعام 2004، معتبرًا أن الرئيس الأمريكي قد ارتكب ثلاثة أخطاء رئيسية وهي:
أولًا: المبالغة في تصوير خطر التشدد الإسلامي على الولايات المتحدة.
ثانيًا: إساءة تقدير إدارة بوش لردود الفعل السلبية، وازدياد مشاعر العداء للولايات المتحدة في العالم.
ثالثًا: التفاؤل الزائد في إمكانية تصدير السلم إلى العراق من خلال الترويج لقيم الثقافة الغربية في العراق والشرق الأوسط بصورة عامة.
البعد الرابع في الحرب: يتجلى في الحروب الاستراتيجية الاستباقية؛ وهذه الحروب يكون الهدف منها فرض نوع من الريادة العالمية والبحث عن موقع متقدم على حساب باقي الدول عبر السيطرة المجهولة المصدر سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وماليًا ثقافيًا.
وفي هذه الحروب تتم الاستعانة، ليس فقط بمهندسي المعلوميات والمتخصصين في مجال الرياضيات؛ بل يتم توظيف باحثين وعلماء ومتخصصين في العلوم الإنسانية والتاريخ والجغرافية والفلسفة وعلم الاجتماع.
ففي مجال العلوم الانسانية؛ هناك ثلاث عناصر أساسية لفهم كل حضارة من حضارات الشعوب حتى يمكن السيطرة عليها:
أولًا: عنصر علم الاجتماع لمعرفة كيفية تفكيك الظواهر الاجتماعية واعادة تركيبها. فمن الأعطاب الكبرى التي تصيب البنية التعليمية في كل التخصصات التقنية؛ الفيزياء والرياضيات والطب… وغيرها هي العداوة للفكر الفلسفي والجهل بالمعطيات التاريخية والجغرافيا. فلا يمكن للمعرفة العلمية أن تعرف سبيلًا للتطور؛ دون وعيها ببنيتها التاريخية والجغرافية التي كانت وراء سبب وجودها ووصولها لهذا الشكل من الأشكال؛ من خلال معرفة كيف نشأت وكيف تطورت وكيف عرفت مختلف القفزات العلمية والفكرية.
وبالتالي لا تستطيع أية دولة أو شعب ما أن ينهض دون الاهتمام بالشأن الثقافي والفكري؛ ولا يكفي الفكر التقني أو العلوم الحقة للنهوض بالأمم.
ثانيًا: عنصر التاريخ لمعرفة كيفية تفسير الأحداث والنزعات التسلطية للأنظمة. فإذا ما أريد لظاهرة اجتماعية معينة أن تقبر؛ يكفي أن يسلط عليها المنهج ذي البعد الواحد أو الأحادي الجانب. فكل علم معزول عن البعد الفلسفي والتاريخي لن يكون عقلًا علميًا ولا فكر إشكالات علمية. فالتقنية لوحدها، غير قادرة على التطور، وذلك لانعدام رافعة العرف التاريخي والبعد الفلسفي القائم على السؤال والنقد والتجاوز وخلق فضاء مفتوح في القيم والابستمولوجيا.
فحينما ندرس التاريخ، لا ندرسه على أساس أنه مجموعة من الأحداث التي وقعت في الماضي القريب أو البعيد؛ وإنما نستحضره ونستدعيه من أجل إيجاد حلول لقضايا وإشكالات مطروحة في الحاضر.
ثالثًا: عنصر الجغرافيا لمعرفة مواقعها البشرية والطبيعية والاقتصادية والإدارية والخدماتية. فالجغرافيا هي علم سطح الأرض الذي يدرس توزيع الحياة النباتية والحيوانية والبشرية وآثار النشاط الإنساني في مختلف مجالات الأرض. وتنقسم إلى قسمين رئيسيين وهما: الجغرافيا الطبيعية والجغرافيا البشرية. وتعنى الجغرافيا الطبيعية بدراسة التضاريس والمناخ والأرض. وتبحث إلى جانب ذلك في المناطق المختلفة في مجال الحيوانات والنباتات المستوطنة بها. أما الجغرافيا البشرية؛ وهي أقرب إلى علم الاجتماع، فتدرس توزيع السكان وأصولهم وعاداتهم وتقاليدهم وعلاقة الإنسان ببيئته وتأثيرها فيه؛ وبالتالي لما نقوم بجمع كل هذه المعطيات حول مجتمع ما؛ تسهل عملية السيطرة والتحكم فيه.
أصبحت الحروب تأخذ عدة أشكال وتمظهرات. وهذا الاختلاف في الحروب يبقى وفق التوظيف الذي تمت فيها. من حيث الغاية والأسباب والغطاء الذي تم تمريرها تحته. وكذا نوع القوة الموظفة في الحرب من حيث درجة الخشونة والنعومة، وهنا نميز بين قوة الشرعية وشرعية القوة المستعملة والقوة الصلبة والقوة الناعمة.
ونجد الحروب الوقائية والحروب العسكرية الردعية والحروب الاستباقية والحروب بالوكالة والحروب النفسية والرمزية والاستفزازية والتحرشية والحروب الكلامية والحروب الإعلامية والدعاية والإشاعة والحروب المعلوماتية السايبيرانية والنووية والذرية والكيماوية والجرثومية والبيولوجية؛ والحروب الفكرية والثقافية والجاذبية وخلق الهالة الحضارية والحروب الاقتصادية والحروب التكنولوجية والفضائية… وغيرها من المسميات.
وهناك حروب تقوم على الإشاعة من أجل إرباك الخصم؛ وهي الحرب الوسخة والقذرة الوحيدة التي بلا دماء.
وهناك حرب جبل الجليد أو كرة الثلج الذي تختفي تحته مئات صور التحريض الخفية والظاهرة والمعلومة وغير المعلومة. وهي نهر من الوساخة والقذارة الذي تغذيه مئات الجداول من الحقد والكراهية وآلاف القطرات من الغل والضغينة؛ التي من يراها عند المصب؛ ربما ينسى أو يتناسى دور تلك القطرات والجداول التي تقف وراءها والمغذية لها والتي تغترف منها عند المنبع.
فالإشاعة والكذب هي حرب مغرضة؛ من إنتاج وتأليف شخص خبيث وجبان ومنعدم الأصل؛ وسيناريو وإخراج شخص خِسِّيس وحاقد، ونشر وتوزيع شخص آخر حقير ولئيم؛ وتصديق، مع الأسف، من إنسان جاهل وساذج.
وقد وصفهم الله عز وجل في سورة القلم بالقول: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِين هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ.}
التطور الفكري والعلمي والتكنولوجي أصبح يتحدى البشرية المنتجة له. فآلة حاسبة بسيطة من صنع الإنسان؛ إذا نظرنا إليها بمنظور فلسفي ابستمولوجي؛ فهي ترفع التحدي في وجه الإنسان المخترع لها. فهي تمارس عليه نوعًا من الاعتباط ونوعًا من الاستعلاء والاستقواء. نجد مثلًا حاسوبًا معينًا إذا كان مبرمجًا على التحديث الآلي، فبمجرد الانتهاء من تحميل آخر التحديثات، فهو ليس في حاجة ليطلب منك الإدن لكي ينطفئ ويعيد الاشتغال من جديد بشكل أوتوماتيكي، وليس هناك من يستطيع إلغاء الأمر الذي هو مقدم عليه، وهذه غاية التحدي للإنسان الذي يقف أمامه مشدوهًا ومذهولاً؛ خاصة إذا لم يقم بحفظ المعطيات التي كان بصدد إنجازها.
هل يصح القول بأنه عالم افتراضي؟ أم أنه أصبح هو العالم الواقعي الذي يقضي فيه الإنسان طوال وقته؟ وحتى القول بافتراضي؛ فبالنسبة لمن؟ من يضمن لك أن حقًا ابنك متواجد بالبيت وليس في (تورابورا) أو أدغال افغانستان وسوريا؛ يحارب مع جيوش البغدادي وداعش والقاعدة في بلاد المغرب الاسلامي وأخواتها والنصرة وجيش المهدي؟
فوفق قانون الاحتمالات الذي لا يخطئ في جزء كبير منه؛ فعلى الأقل يكون ابنك قد زار إحدى هذه المناطق ولو مرة واحدة عبر السفر في متاهات هذا العالم الذي يسمى افتراضيًا بالنسبة إليك أنت؛ في حين هو عالمه الواقعي؛ حيث لم يكن؛ ولا؛ وليس؛ لك أدنى علم.
في التمفصلات المنطقية التاريخية لحياة الشعوب؛ والتحولات التاريخية الكبرى؛ تولد لحظات فاصلة في مصير الأمة. وعندها إما تكون نُخبها جاهزة، فتنجح؛ وإما تكون نُخبها غير جاهزة وفاشلة فتخسر، وعليها أن تحاول مرة أخرى من جديد وصناعة نخبة لفرصة قادمة وإن طال أمدها.
فحينما تعجز الأمم والشعوب عن إنتاج النخبة؛ فإنها تحاول العمل على التأثير في شروط إنتاج نخبة جديدة للحلول محل النخبة الموجودة.
فالنخبة ليست مشروع تنظيم اطفائي وترقيعي عشوائي وارتجالي؛ بل هو طرق عمل وانماط تفكير؛ تقوم به جميع القوى الحية في المجتمع، سواء كانت رسمية أو غير رسمية. وهو ثمرة مجهود تيار وعي مجتمعي، وليس تنظيم موازي للدولة.
فالمسافة بين الاثنين؛ هي حين يكون واقع أي مجتمع مجرد عالم أفكار لا تنتمي للعصر ولا سلامة فيها شرعًا ولا فكرًا ولا منطقًا. وعالم علاقات مدمر بالعصبيات القبلية والمحلية والعرقية والطائفية؛ ومحيط إقليمي قد حوله لأرض لتبادل الرسائل المتفجرة والدخل الاقتصادي للبلد معتمد على المعونات الخارجية والكوادر المتعلمة تبحث عن طريق للخروج والهجرة ومغادرة البلد.
فعندما تتنوع أطياف أية أمة؛ فالاستقرار والتنمية، يصبح لا سبيل لهما إلا بتوافق وطني على الحدود الدنيا الممكنة في تلك الظروف والملابسات والأماكن. وتلك تبدو بديهية للوهلة الأولى. ولكن إذا نظرنا حولنا؛ فسنجد أن العديد من التجارب قد انهارت. فلا الإخضاع تم، ولا التنمية الموعودة هي تحققت. فتلك عبرة الدهر التي لا تنفع معها المكابرة النظرية.
فعلى عهد الاتحاد السوفييتي؛ حيث نهاية عالم واندحار توجهات إيديولوجية؛ نجد في تجارب الحقبة الشيوعية فكرة إجبار أطياف المجتمع للخضوع لحكم القوة؛ والسيطرة المجهولة اجتماعيًا؛ لا لمنطق التوافق والتراضي والتسويات السياسية؛ وقس على ذلك تجارب العديد من الدول العربية الإسلامية والدول المتخلفة؛ حيث الاعتقاد الخاطئ بإمكانية إخضاع المكونات المختلفة لمنطق الغلبة.
_____
* مفكر وكاتب وراصد مغربي





