ورقة التصويت الفريدة ليست ورقة سائبة: من أمن المطبعة إلى هشاشة العهدة الانتخابية المحتملة

 

 

 

 

 

* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

 

 بعض الحديث عن «تسريب الأوراق المتعلقة بالتصويت» يوحي بأن الأمر يتعلق بأوراق إشهارية خرجت من مطبعة. والحال أن ورقة التصويت الفريدة جزء من سلسلة حيازة انتخابية محكومة بالعدد والتسليم والاستلام والمطابقة منذ دخولها المسار الانتخابي إلى غاية الفرز وتحرير المحضر ثم إتلاف الأوراق الصحيحة وحفظ الملغاة والمنازع فيها وغير القانونية.

لذلك لا يُقاس أمن الورقة بأمن المطبعة وحده، بل بقدرة المنظومة الانتخابية على تتبع مسارها المادي والإجرائي في كل مرحلة ومراجعة آثاره عند الحاجة.

1. مسلسل حيازة ورقة التصويت: من العدّ إلى الأثر

 في التحليل الأمني الانتخابي تقوم المنظومة على مبدأ جوهري: الورقة لا تنتقل من يد إلى أخرى بوصفها مجرد ورقة، وإنما ضمن سلسلة من العدّ والتحقق والتسليم والاستلام والمطابقة. ولا تنتهي هذه السلسلة عند الصندوق، فالفرز نفسه يفتح مرحلة جديدة من الحيازة والتوثيق.

 ليست ورقة التصويت الفريدة مجرد وسيط مادي يعبر به الناخب عن اختياره ثم يفقد قيمته، بل هي حامل مادي للأثر الانتخابي ووحدة من وحدات الثقة العامة التي تتقاطع عندها الإدارة والقانون والرقابة والقضاء. ولذلك فإن السؤال الأمني لا يقف عند: هل أُمنت الورقة؟ بل يمتد إلى: هل يمكن معرفة أين كانت؟ ومن كان مسؤولًا عنها؟ وما الأثر الذي يثبت انتقالها من مرحلة إلى أخرى؟

 تظهر قيمة المنظومة عند إثارة أي شك. فالمطلوب أن يكون بالإمكان مطابقة ما طُبع بما وُزّع وما سُلّم وما استُعمل وما دخل الصندوق وما انتهى إلى الفرز والمحضر ثم إلى مآله القانوني. هنا ينتقل التحليل من «أمن الورقة» إلى أمن حيازتها: ليس المهم فقط منع الانحراف، بل أن تترك أي حالة خروج عن المسار أثرًا يمكن اكتشافه وتحديد موضعه ومداه.

2. الأساس القانوني لسلسلة الحيازة

 هذا المسار ليس وصفًا نظريًا. فالقانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب يشكل أحد المراجع التشريعية الأساسية للعمليات الانتخابية، وقد جرى تحيين الإطار المتعلق بورقة التصويت الفردية بموجب المرسوم رقم 2.26.278 الصادر في 22 أبريل 2026 بتغيير المرسوم رقم 2.11.605 المتعلق بتحديد شكل ومضمون ورقة التصويت الفردية لانتخاب أعضاء مجلس النواب.

 وداخل مكتب التصويت تتحول الورقة إلى عنصر في مسار إجرائي مضبوط. فالناخب يتسلمها ويستعملها في المعزل ثم يودعها بنفسه في الصندوق. وبعد اختتام الاقتراع تبدأ مرحلة الفرز التي ترتبط بالمطابقة بين عدد المصوتين ومحتويات الصندوق وبإثبات النتائج والملاحظات في المحاضر وفق المقتضيات القانونية المنظمة للعملية. كما تحدد النصوص كيفية التعامل مع الأوراق الملغاة والمنازع فيها وغير القانونية، مع إثبات أسبابها وأعدادها ضمن الوثائق الانتخابية.

 ولا تنتهي العهدة بانتهاء الفرز. فالأوراق التي لم تكن محل نزاع وتُعترف بصحتها يباشر إحراقها أمام الناخبين الحاضرين بعد انتهاء عملية الفرز والإحصاء، بينما تبقى الأوراق التي تستوجب الحفظ أو النزاع ضمن أغلفة ومسارات وثائقية محددة، وتحرر المحاضر في نظائر متعددة. وهكذا لا تبقى النتيجة معلقة في ورقة واحدة أو ذاكرة شخص واحد، بل تدخل في شبكة من الوثائق والأغلفة والنظائر ومسارات الإحالة التي تمنح العملية قابلية للمراجعة اللاحقة.

3. البُعد الوقائي: ما قبل الاكتشاف

 غير أن الاقتصار على «قابلية الاكتشاف» قد ينتج شعورًا زائفًا بالأمان. فالمنظومة الناضجة لا تكتفي بكشف الانحراف بعد وقوعه، بل تسعى إلى تصميم إجراءات تقلل من احتمالات وقوعه أصلًا.

* أولًا: الوقاية التصميمية:
بتوزيع المهام داخل المكتب وعدم ترك كامل المسار لعنصر واحد. فالتصويت والفرز وتسجيل المشاركة وإعلان النتيجة وظائف متقاطعة يمارسها رئيس المكتب وأعضاؤه وفق قواعد محددة، بما يحد من تركيز السلطة ويجعل العملية قابلة للملاحظة الجماعية.

* ثانيًا، الوقاية الإجرائية:
بجعل بعض مراحل العملية قابلة للمطابقة الحسابية والوثائقية. فالأرقام الناتجة عن الاقتراع والفرز تُقارن بالمعطيات المسجلة، والأوراق غير العادية تصنف وتوثق، والنتائج تثبت في محاضر متعددة النظائر. وبهذا تتحول العملية من أفعال منفصلة إلى آثار متقاطعة.

* ثالثًا: الوقاية الرقابيّة:
بإتاحة حضور ممثلي المترشحين والناخبين وغيرهم من الأشخاص الذين يسمح لهم القانون بالمراقبة في المراحل المقررة لذلك. فالغرض ليس افتراض سوء النية، وإنما جعل بعض لحظات العملية قابلة للملاحظة والتحقق الجماعي.

* رابعًا: البعد الزجري:
فالقانون التنظيمي يجرّم عددًا من الأفعال التي تمس سلامة الاقتراع والفرز والإحصاء وإعلان النتائج أو تنتهك سرية التصويت، بما في ذلك الأفعال المتعلقة بأوراق التصويت والصندوق والنتائج. وهذا يكشف أن العهدة الانتخابية ليست التزامًا أخلاقيًا فحسب، بل مسؤولية قانونية يمكن أن تترتب عن الإخلال بها آثار جزائية.

4. البُعد المقارن اورقة التصويت الفريدة

 وتظهر الفكرة نفسها في تجارب انتخابية أخرى، وإن اختلفت الأدوات القانونية والتنظيمية. ففي فرنسا يقوم مكتب التصويت على هيئة جماعية تضم الرئيس والمساعدين والكاتب، وتخضع عمليات الفرز للمراقبة والحضور وفق قواعد محددة، كما تُثبت النتائج والملاحظات في محضر رسمي.

 وفي كندا تظهر بصورة أوضح فكرة المطابقة المادية للورقة؛ إذ تتضمن منظومة الاقتراع وسائل لتتبع الأوراق، وتُحسب الأوراق المستعملة والملغاة وغير المستعملة للتأكد من أن مجموع الأوراق المقدمة قد جرى احتسابه، كما تُعاد المواد غير المستعملة وفق مسارات محددة.

 وفي ألمانيا يقوم مكتب الاقتراع على بنية جماعية أثناء العمليات، مع إتاحة الملاحظة العامة لعملية العد بما يحول دون إخراج وثائق الاقتراع أو إدخالها إلى مسار العد خارج الضوابط المقررة.

 والجامع بين هذه النماذج ليس تطابق إجراءاتها، وإنما مبدأ أوسع: عدم بناء سلامة العملية الانتخابية على افتراض نزاهة الأفراد وحدها، بل على تصميم إجرائي يجعل الانحراف قابلًا للملاحظة والمطابقة والكشف.

5. حين تنتقل نقطة الضعف إلى العهدة البشرية اورقة التصويت الفريدة

 هنا تكتسب واقعة طنجة في 23 شتنبر 2026 قيمتها التحليلية. وبحسب المعطيات التي أشير إليها بشأن الأبحاث الأولية في 26 شتنبر، فقد أوقف مشتبه فيهم من بينهم رئيسا مكتبي تصويت ونائباهما وشخص آخر في قضية مرتبطة بأوراق انتخابية. لكن هذه المعطيات لا تحسم طبيعة الواقعة ولا أثرها الانتخابي قبل اكتمال التحقيق والخبرة وما قد يترتب عنهما قضائيًا.

 مع ذلك، تضع الواقعة مفهوم «العهدة البشرية» في مركز الاختبار. فإذا ثبت قضائيًا أن أوراقًا خرجت من داخل مكتب التصويت إلى خارجه في ظروف غير مشروعة، فإن السؤال الأمني لا يعود متعلقًا بالمطبعة أو النقل أو التخزين، بل باللحظة التي أصبحت فيها الورقة تحت مسؤولية أشخاص محددين، وبالآثار التي كان يفترض أن تتركها هذه المخالفة داخل السلسلة الإجرائية.

6. الاختبار الحقيقي لورقة التصويت الفريدة

 القيمة الأمنية للفرز لا تكمن في استخراج النتيجة فقط، بل في إنتاج آثار مادية ووثائقية قابلة للمقارنة. فالأرقام التي ينتجها الصندوق والفرز والمحضر تتقاطع مع اللوائح والأغلفة ونظائر المحاضر. وكلما أمكن جمع هذه الآثار في صورة متماسكة أصبح تحديد موضع الخلل ومداه أكثر دقة.

 لذلك فالاختبار الحقيقي ليس في استحالة خروج الورقة من مسارها مطلقًا، فهذا افتراض يصعب ضمانه في أي منظومة تعتمد جزئيًا على العنصر البشري، بل في قدرة المنظومة على اكتشاف الخروج وتحديد موضعه وحصر مداه. فالثغرة الأخطر ليست مجرد وصول يد غير مشروعة إلى الورقة، بل وصولها دون أن يترك ذلك أثرًا في الحساب أو الوثيقة أو سلسلة الحيازة.

 أما إثبات ما إذا كانت واقعة طنجة قد أثرت في نتيجة انتخابية معينة فهو سؤال مستقل لا تحسمه الصور أو الروايات أو الانطباعات، وإنما الأدلة والمحاضر والخبرة والتحقيق ثم القضاء.

* خلاصة:
 ورقة التصويت الفريدة ليست ورقة سائبة؛ إنها عهدة انتخابية. وقوة المنظومة لا تُقاس فقط بقدرتها على حمايتها من الخروج عن مسارها، بل بقدرتها على الوقاية من هذا الخروج ثم كشف أي انحراف وتحديد موضعه ومداه وأثره بدقة.

 فالمنظومة الانتخابية لا تُقاس بافتراض انعدام الخطأ، بل بقدرتها على كشفه وتفسيره وحصر آثاره. وكلما أمكن تتبع مسار الورقة ومطابقة أعدادها ووثائقها وتحديد المسؤولية في كل مرحلة، أمكن التعامل مع الخلل بوصفه واقعة قابلة للتشخيص والتصحيح بدل أن يتحول تلقائيًا إلى أزمة ثقة في العملية برمتها.

 أمّا المنظومة الهشة فهي التي تكتفي بالثقة الشخصية حيث يلزم التتبع المؤسسي، وبسلامة النية حيث يلزم التحقق، وبالإجراء الشكلي حيث يلزم إنتاج أثر قابل للمراجعة. وعندها لا يصبح الخطر في الخطأ وحده، بل في العجز عن معرفة أين وقع وكيف وقع وما إذا كان قد تجاوز حدود الواقعة الجزئية إلى التأثير في النتيجة.

 وهنا تحديدًا يكمن الفارق بين منظومة تحمي الاقتراع ومنظومة تطلب من الناس أن يثقوا فيه: الأولى تبني الثقة على الأثر القابل للفحص؛ والثانية تترك الثقة معلقة في الأشخاص.

 ورقة التصويت الفريدة إذن ليست ورقة سائبة؛ والسؤال ليس كيف نحرس الورقة فقط، وإنما كيف نضمن أن يظل مسارها كله قابلًا لإعادة البناء والمطابقة من البداية إلى النهاية.

______
*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، يهتم بقضايا الدولة والمجتمع والسياسات العموميّة والتنمية والتحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة.
له عدة إسهامات فكريّة ودراسات ومقالات في الشأن المغربي والعربي والإسلامي.
ومن أبرز مؤلفاته: «الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية» (2000)، و«الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة» (2015)، و«الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة» (2020).


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...
Global site tag (gtag.js) - Google Analytics