الدكتور شنفار عبدالله (*)
كما ينبت عشب بين مفاصل صخر؛ جمعتنا أيام الدراسة في الجامعة معًا. وفرقتنا الأيام بعد ذلك وكل ذهب في حال سبيله. وتشاء الصدف وألتقي بزميلي مرة أخرى بعد مرور حوالي 20 سنة؛ وكان رفقة زوجته وأبناءه الثلاثة، زينة الحياة الدنيا.
عادت بي الذاكرة والنوستالجيا لأيام الحرم الجامعي؛ فاسترجعت شريط ذكريات فيها اللذة والألم والأمل والإحباط واللوعة واليأس؛ وما كان يسميه صديقي ب”الحداثة” والفكر المتنور في الحرم الجامعي؛ حينما يأخذ الكلمة بالحلقة ويفتتح كلامه وتدخله بالتحية النضالية في إطار الإتحاد الوطني لطلبة المغرب؛ فيصف الزواج بأنه مجرد: “مؤسسة رِجْعِيَّة وفكر ظلامي متزمت”؛ على حد تعبيره!
وفي الاتجاه الآخر حلقية أخرى للطلبة يرد عليه أحدهم ويصفه بالملحد والكافر؛ وقد يصدرون فتوى بوجوب إهدار وسفك دمه! ويحصل ويتصاعد التوتر فيقع الاشتباك ويصل حد العنف الجامعي؛ كإحدى الصور المشينة التي تسيء للجامعة المغربية!
فالأول المتشبع بالفكر الماركسي اللينيني التروتسكي التشكيڤاري؛ يطلق على نفسه لقب: “الرفيق” -camarade- يدعي أنه الوحيد من يمتلك الحقيقة العلمية؛ ويدعي أن استراتيجيته وبرامجه وخطته تطابق وتتماشى بنفس المتوالية الحسابية والهندسية للحتمية التاريخية التي رسمها ماركس؛ حيث بمجرد أن ينادي في القوم بشعاره: هيَّا يا عُمال العالم -الذين سُرِقت منهم وسائل الإنتاج من طرف البورجوازية والرأسمالية المتوحشة- ويقول لهم اتحدوا؛ حتى يسود العدل والخير والعدالة والمساواة وجمهورية ماركس المثالية!
أما الثاني المتشبع بالفكر الديني؛ والذي يطلق على نفسه لقب “الأخ” والأخوية على طراز إخوان مصر وخمينية إيران وجماعة عدل وإحسان المرحوم ياسين؛ وخلطة حركة التوحيد والإصلاح؛ بعد الوحدة والاندماج بين كل من حركة الإصلاح والتجديد ورابطة المستقبل الإسلامي المغربيتين؛ للقادة محمد الحمداوي وعبدالرحيم الشيخي؛ والتي ترفع كشعار لها الآية الكريمة: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)؛ والذي كان هو الآخر يفتتح كلامه وتدخله بالبسملة والتعود من الشيطان الرجيم؛ وذلك في إطار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب؛ فيأخذ في المرافعة ويدين ويستنكر بمفردات قوية جدًا؛ ما يسميه: “الاستكبار العالمي والاستصغار المحلي”؛ (والتي حوكم بمقتضاها وتمت إدانته بالسجن النافذ في مرحلة من تاريخ المغرب) فيدين الاشتراكية والشيوعية الظلامية التي تبيح شيوعية الجنس والاختلاط وتحرم الزواج وتعتبره مجرد مؤسسة رجعية ظلامية؛ والرأسمالية المتوحشة التي تشجع على الرذيلة والتفسخ الاخلاقي والإقصاء والتهميش ولا تؤمن بالجانب الاجتماعي؛ فيدعي أنه الوحيد من يمتلك الحقيقة والنسخة الأصلية للدين؛ وأن استراتيجيته وخطته وبرامجه تطابق استراتيجية وخطة الإله ؛ -وكأنه استرق السمع والبصر واطلع على اللوح المحفوظ وعرف كل ما يجري ويدور في الملأ الأعلى-! وأن الآخر يتوفر على النسخة المزيفة فقط؛ وحتى لو توفرت لديه النسخة الأصلية؛ فلسوف يسيء استخدامها لا غير!
لحظة استفقت من حالة التذكر؛ وقلت بصوت مرتفع: سبحان الله مبدل الأحوال والأفكار والمبادىء والاعتقادات! ضحك صاحبي الذي كان يتميز بذكاء كبير وفهم لماذا قلت ذلك؛ فرد علي بابتسامة ومرح: “تلك فترة جميلة قضيناها برحاب الكلية؛ فتذكرت احدى حوارات جدي حيبورة رحمة الله عليه؛ حيث سألني يومًا: ما معنى الثبات على المبادىء؟ فقلت له: هو الإيمان بالأفكار والقيم والقواعد المسطرة في إطار تنظيم معين والتي لا تنازل عنها مهما كلف الأمر من تضحيات بالغالي والنفيس!
ويرد علي حيبورة قائلًا: يبدو أنك يا ولدي مازلت ساذجًا كثيرًا! فإذا كان الأمر صحيحًا؛ ها وجهي!
قلت له: زعما بّا جدي تطنز عليّ!
يستطرد حيبورة قائلًا: في ظل سوق العرض والطلب؛ كل مبدأ يحمل بداخله أعراض Symptômes خلخلته وتفككه؛ ويكيف سلوكه وفق مسلسل ومصارات ومسارات اللعبة والتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومتطلبات توازنات القوى العاملة داخل المجتمع!
ويضيف جدي حيبورة ويتساءل: هل قرأت قصة أكلة البطاطس للأستاذ أحمد بوكماخ رحمه الله؛ حيث يحكى أن الأم قد طبخت البطاطس؛
وقالت لولدها: كل البطاطس.
فقال الولد: أنا لا آكل البطاطس.
قالت الأم للعصا: اضرب الولد.
قالت العصا: أنا لا أضرب الولد.
قالت الأم للنار: احرقي العصا.
قالت النار: أنا لا أحرق العصا.
قالت الأم للماء : أطفئ النار.
قال الماء: أنا لا أطفئ النار.
قالت الأم للبقرة: اشربي الماء.
قالت البقرة: أنا لا أشرب الماء.
قالت الأم للسكين: اذبحي البقرة.
قالت السكين: أنا لا اذبح البقرة. قالت الأم للحداد: اكسر السكين. قال الحداد: أنا لا أكسر السكين. قالت الأم للحبل: اشنق الحداد. قال الحبل: أنا لا أشنق الحداد. قالت الأم للفأر: اقرض الحبل. قال الفار أنا لا أقرض الحبل.
* تراجيديا التراجع والسقوط:
قالت الأم للقطة: كلي الفار.
قالت القطة: أنا آكل الفار .
وقال الفأر: أنا أقرض الحبل.
وقال الحبل: أنا أشنق الحداد.
وقال الحداد: أنا أكسر السكين.
وقالت السكين: أنا أذبح البقرة.
وقالت البقرة: أنا أشرب الماء.
وقال الماء: أنا أطفئ النار.
وقالت النار: أنا أحرق العصا.
وقالت العصا: أنا أضرب الولد.
وقال الولد: أنا آكل البطاطس!
فأكلها الولد!؟
وانتهت اللعبة وتزوج الرفيق ودخل إلى ما كان يسميه المؤسسة الرجعية ويصفها بالظلامية!
تناول العديد من فلاسفة اليونان مفهوم التراجيديا؛ حيث تعتبر المأساة شكلًا من أشكال العمل الفني الدرامي الذي يهدف إلى تصوير آلام ومأساة شخصية ما، تكون مبنية على قصة تاريخية.
والتراجيديا عموماً تتعلق باستعراض أحداث من الألم والحزن وتقود إلى نتيجة مؤسفة في النهاية. وهي أيضًا شكل من أشكال الدراما التي حددها الفيلسوف أرسطو؛ حيث تتسم بجانب من الجدية والمجد والشهامة وتنطوي على شخصية عظيمة تمر بظروف تعيسة.
وتعريف أرسطو أيضاً يشمل تغير الأحوال من سيء إلى أحسن، ولكنه يعتبر إن التغير من الأحسن إلى السيء؛ هو الأفضل لأنه يؤدي إلى إثارة الشفقة والخوف داخل الجمهور المتفرج.
وحسب أرسطو؛ فهيكل العمل التراجيدي لا ينبغي أن يكون بسيطًا؛ بل يجب أن يكون معقدًا وأن يمثل الجوانب والحوادث التي تثير الخوف والشفقة.” ويرى أن التغير في الحال نحو التعاسة والمأساة لا يعود إلى أي خلل أو عيب أخلاقي، ولكنه يرجع بالاساس إلى خطأ من نوع ما.” ويذهب إلى أن هذه المأساة يمكن أن تتولد عن سلطة عليا؛ كسلطة القانون، أو سلطة الآلهة، وسلطة القضاء والقدر والمصير، أو سلطة التنظيم أو الحزب والهيئة والنقابة أو المجتمع… وغيرها؛ حيث إن سقوط شخصية ما في هذه المحنة؛ إذا كان ناجمًا عن سبب خارجي، فإن أرسطو يصف ذلك بأنه مجرد ابتلاء وليس بمأساة في حد ذاته.
فهل يا ترى تخلى صاحبي عن فكره الحداثي من خلال مراجعات للذات!؟ أم أن التاريخ كان يمشي على رأسه وانقلب وأصبح يمشي على رجليه!؟ أم أنه لا هذا صاحبي؛ ولا ذاك أخي؛ يطابقان ويسايران ويتعايشان؛ مع الواقع والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية ونسبية القيم والأفكار والحقائق ومتطلبات وقضايا الشعوب والأمم!؟ ما موقع التفاهة في خضم هذه الأحداث التاريخية والتي لازال يتم التسويق لها بشتى الأشكال الرديئة في السيناريو والإخراج!؟
دام لك الشموخ يا وطني الحبيب.
(*) كاتب ومفكر مغربي





