محمد الدكالي
أخيرا وقع الطرفان على اتفاق لـ “ترسيم الحدود” بين “الدولتين”، وبذلك يكون “الوسيط” عاموس هوكشتاين الخبير الضليع في السياسات الدولية لشؤون الطاقة والذي وصف نفسه بأنه “صهيوني” في إحدى زياراته للكيان، قد نجح في تحقيق “اختراق تاريخي” حسب وصفه، وهي النتيجة التي وصفها حسن نصر الله، الطرف الأقوى بدون منازع في لبنان في إحدى خطبه الأخيرة بأنها “جيدة طيبة”.
ماذا يعني “ترسيم” “الحدود البحرية”؟
بغض النظر عن الدعاية الاحتفالية التي تلت التفاهمات اللبنانية مع الكيان الصهيوني عبر الزعم بأن ثلاث مسيرات وتصريحات زعيم حزب الله النارية “أجبرت” الكيان على الاعتراف بحقوق لبنان البحرية، يتعين النظر إلى التوقيع على ترسيم الحدود بشكل أكثر جدية، من زوايا نظر قانونية وسياسية واقتصادية وأمنية.
على المستوى القانوني
المفاوضات جرت بين “الجمهورية اللبنانية” و”دولة إسرائيل”، وهذا هو التوصيف القانوني السليم لطرفي التفاوض، حتى ولو أن لبنان لا يعترف، إلى ما قبل التوقيع بالدولة الصهيونية، وحتى ولو كانت المفاوضات توصف بأنها “غير مباشرة”، وقد اعتاد حسن نصر الله في تصريحاته على بنأي حزبه عن المشاركة المباشرة فيها ويعتبرها من شأن “الدولة” اللبنانية، وكأنما الحزب ليس هو أهم وأقوى أطراف إدارة الدولة اللبنانية، ولا يمكن أن يمر أي شيء ذي بال في شؤونها من دون علمه ومشاركته وموافقته. هذا من جهة. لقد صرح بعد التوقيع بأن الاتفاق ليس معاهدة ولا تطبيعا ولا اعترافا، الاتفاقيات قد تتخذ أشكالا متعددة والمعاهدة واحدة منها، بينما وصف الرئيس اللبناني بأن الاتفاق له طابع “تقني” وليس سياسي!! هذه التصريحات تحاول إخفاء الشمس بغربال.
من جهة أخرى، ما ستنتهي إليه المفاوضات هو اتفاق بين “دولتين”، سيقرّ فيها لبنان ويعترف بـ “الحدود البحرية” لـ “دولة إسرائيل”، وسيوقعها لبنان من طرف رئيس الجمهورية اللبنانية وسيتم اعتمادها من طرف البرلمان اللبناني كما هو العرف في هذا النوع من الاتفاقيات في القانون الدولي العام، وبالمقابل سيصادق عليها، “الكنيست” وقد رفضت المحكمة الإسرائيلية العليا جميع الطعون حول الاتفاقية. كما سيتم إيداع الوثائق الرسمية للاتفاق من محاضر وملحقاتها كخرائط وإحداثيات لدى الأمم المتحدة كما هو في العرف الدولي.
هذا يعني من بين ما يعنيه أيضا، إقرار واعتراف كل طرف بـ” حدود وحقوق الطرف الآخر”، وهو ملزم للطرفين بكل بساطة طالما بقي سائرا، ما لم يتراجع أحد الطرفين عنه في يوم ما.
وفيما يتعلق بالاعتراف بدولة ما من طرف دولة أو دول أخرى في الأعراف الدولية هناك نوعان شائعان : الاعتراف القانوني الكامل ويقضي بإيداع وثائق الاعتراف المصادق عليها من برلمان الطرف المعترف لدى الأمم المتحدة. وهناك الاعتراف على أساس “الأمر الواقع” (de Facto) وهو لا يتطلب إجراءات إيداع أية وثائق بل يسري الاعتراف على أساس التعامل بأشكال ما بين الطرفين بشكل عملي ومستدام حول قضايا محددة أو بشكل عام، وهذا النمط هو الأكثر شيوعا في العلاقات الدولية. وللتذكير فإن الدولة الوحيدة التي اعترفت بالدولة الصهيونية اعترافا قانونيا كاملا كان هو الاتحاد السوفييتي وذلك بعد دقائق قليلة من إعلان ديفيد بن غوريون عن تأسيسها في 15/05/1948.
ويحاول بعض المحللين المحسوبين على حزب الله بشكل خاص التنصل من دلالات التبعات القانونية فيما يتعلق بالاعتراف والإقرار بحدود “الدولة القومية لليهود” (كما يصفها القانون الأساس الصادر عن الكنيست في 19/7/2019)، عبر القول بأن المفاوضات كانت غير مباشرة من جهة، وأن الحزب لم يشارك فيها مطلقا بشكل مباشر، ولم يوقع على أية ورقة باسم الحزب. لكن هذه المبررات لا يمكنها أن تغير من واقع الأمر شيئا. فمن غير المتصور ألا يكون الحزب موافقا أصلا على التفاوض مع العدو عبر الوسيط الأمريكي الصهيوني، ومن غير المتصور ألاّ تكون قيادته مواكبة ومطلعة وموجهة لسير التفاوض والأخذ والرد في جميع ملفاته وقد أعلنت عن رضاها على النتائج. وعادة ما تتخذ المفاوضات غير المباشرة أشكالا من الإجراءات والصّيغ العلنية، كالمفاوضات بين فييتنام وأمريكا في باريس سنة 1975 أو الاتحاد السوفياتي وأطرافا دولية حول أفغانستان في جنيف في أواسط الثمانينات، وقد تكون سرّية كما هي حالة “إيران غيت” حيث تم الاتفاق سنة 1985 في باريس في اجتماع سرّي جمع جورج بوش الأب، عندما كان نائبا لريغان، ورئيس الوزراء الإيراني آنذاك أبو الحسن بني صدر وآري بن ميناشيا مندوب الموساد، لبيع أسلحة لإيران خلال حربها مع العراق. وقد أوردت “الجزيرة نت” في 1/2/2016 تقريرا مفصلا عن هذا الاجتماع السري وعن شحنات وأنواع وأعداد الأسلحة التي كانت تشحن من “إسرائيل” والبرتغال إلى طهران مباشرة.
كما يتحجّج هؤلاء المحللون في محاولة تبريرية لا تقنع إلا أصحابها، بأن المقاومة الفلسطينية تفاوضت عدة مرات مع العدو الصهيوني عبر وسطاء مختلفين (ألمانيا، مصر، قطر..)، لكنهم يتغافلون عن كون تلك المفاوضات كانت تتم لتبادل أسرى، أو للتوصل إلى هدنة بعد حرب، ولم تكن قط للتفاوض على حدود غزة مثلا أو الضفة.
على المستوى السياسي
التوقيع على اتفاق لترسيم الحدود هو اختراق تاريخي كبير فعلا كما قال “الوسيط” عاموس. لقد سبق للبنان أوقع اتفاقية هدنة مع العدو في جزيرة رودس سنة بعد حرب 1948، لكن الاختراق الصهيوني هو ناجح حقيقة هذه المرة. فبعد نجاح العدو في ترسيم “حدوده” مع مصر والأردن، ها هو يرسّمها مع لبنان في البحر ولا شيء يمنع من ترسيمها في البرّ وهناك إشارات أمريكية حول هذا الموضوع، ومن الناحية الواقعية لا فرق، من حيث المبدأ، بين الإقرار بـ”الحدود البحرية” للعدو و”الحدود البرية”.
على مستوى الداخل اللبناني، يعود الارتياح الكبير الذي يبديه حسن نصر الله وشركاؤه الكبار في منظومة حكم لبنان، دون شك، تجاه اتفاق “ترسيم الحدود”، إلى ما يتيحه ولو مؤقتا، من محاولات لرفع جانب من الحرج الكبير الذي يوجدون فيه بسبب الوضع الكارثي الذي يعيشه لبنان كما وصفه الرئيس عون، والذي هو من صنع يد المنظومة الحاكمة الحريصة على استدامة النظام الطائفي، والتي ترفض الإعلان عن مسؤوليتها عن هذا الوضع بحكم سيطرتها على نظام الحكم. ومما يستوقف نظر أي محلل موضوعي، ليس هو طبيعة التوجهات الطائفية والشوفينية اليمينية لحزب التيار الوطني الحر الذي تأسس سنة 2006 والمعروف بكراهيته للعروبة وللفلسطينيين وولاءه لفرنسا، ولكن ما يثير الاستفهام هو تحالف حزب الله معه سياسيا لتقاسم السلطة منذ أكثر من 15 عاما وصولا إلى ترسيم الحدود مع الكيان الصهيوني وهو أقوى صيغة لهذا التحالف منذ بدايته قبل 16 سنة.
حزب الله هو الطرف السياسي الأقوى في لبنان، عندما ننظر إلى اتفاق ترسيم الحدود مع العدو، وكشريك رئيس في الحكم، بحكم وجوده القوي في المؤسستين التشريعية والتنفيذية وباقي مؤسسات الدولة اللبنانية، ويتوفر على جيش حقيقي وأسلحة لا يتوفر عليها حتى الجيش اللبناني نفسه، وعلى جهاز استخبارات متغلغل ونظام اتصالات مستقل، وبالتالي فهو أكثر شعورا بالحرج والتخبط لكونه شريك في تحمل المسؤولية عن الوضع الذي يعيشه اللبنانيون والذي يعبرون عنه بشعار (كلّن يعني كلّن)..
على المستوى الاقتصادي
من الناحية العملية بدأت “إسرائيل” في ضخ الغاز وأبرمت اتفاقيات لتسويقه. أما بالنسبة للبنان، فلن يتيح التوقيع على اتفاق ترسيم الحدود الحصول على نتائج فورية تتيح للدولة اللبنانية الاستفادة من عائدات مكامن الغاز من حقل قانا التي سيعود 17% منها إلى “إسرائيل”، لأن لبنان لا يتوفر لا على التكنولوجيا ولا على الخبراء والمهندسين ولا على التمويل اللازم، كما أن استخراجه وتسويقه يحتاج إلى استثمارات كبيرة في البنيات التحتية البحرية وإلى مفاوضات واتفاقيات وتوقيع عقود بيع وشراء مع دول وشركات وهذا سيستغرق بضع سنوات، وستلجأ الدولة اللبنانية إلى القروض وهي غارقة أصلا في الديون وإلى الشركات الأجنبية (الأخوات السبع)، هذا إذا سلمت النيات ولم تذهب إيرادات الغاز المتوقعة إلى دهاليز الفساد التي يشتهر بها لبنان ونخبه الحاكمة كما يعتقد اللبنانيون. ولذلك سيكون من السذاجة بمكان توقع استفادة لبنان من هذه العائدات حتى على المدى المتوسط، لكن الموضوع يبقى صالحا للاستثمار السياسي والدعائي في الداخل اللبناني.
على المستوى الأمني
تضرب المنظومة الحاكمة في لبنان ستارا من الكتمان على بنود الاتفاق والتي لم يطلع عليها سوى عدد قليل جدا من كبار المسؤولين على أعلى المستويات، وهذا أمر غريب يطرح أكثر من علامة استفهام ما دام الأمر يتعلق بمصالح لبنان الوطنية وما دامت علياء السلطة الحاكمة لا تخفي ابتهاجها بالتوصل إلى اتفاق مع الكيان الصهيوني.
ومع أن بعض المسؤولين اللبناني ينفون وجود اتفاق أو على الأقل تفاهمات وتعهدات حول الجوانب الأمنية، وهو بعد أساسي في اتفاق من هذا النوع وفي السياقين الداخلي اللبناني والإقليمي، إلا أن المسؤولين اللبنانيين والإسرائيليين والأمريكيين يؤكدون على مفهوم “الاستقرار”. ويمكن أن تفهم هذه التصريحات المتفائلة بشأن “الاستقرار” بكونه نتيجة منطقي بحكم حاجة لبنان الماسة إلى طوق نجاة للخروج من وضعية الكارثة الاجتماعية والاقتصادية، وبالتالي لا يتوقع نشوب حرب مع إسرائيل على الأقل لفترة طويلة. وفي واقع الأمر توالت مبررات عديدة كان من المفترض أن تشعل حربا بين حزب الله والعدو الصهيوني، منها شن أربعة حروب مدمرة على غزة، والضرب المتواصل لقواعد ومخازن السلاح التابعة للحزب وتصفية عدد من قياداته في سوريا منذ سنوات ولا يزال هذا الضرب متواصلا. وفي جميع الحالات، لا يمكن استبعاد حصول توافقات غير معلنة أو بنود سرية وهذا أمر شائع في العلاقات الدولية.





